عن فسيولوجيا الزواج لبلزاك

يعتبر الروائي الفرنسي أونوريه دي بلزاك من الرواد الكبار الذين أتحفوا الأدب الفرنسي في النصف الأول من القرن التاسع عشر بأعمال أدبية خالدة في فني القصة والرواية الواقعيتين، وذلك بالرغم من عمره القصير الذي لم يتجاوز إحدى وخمسين سنة، استطاع خلالها أن ينتج عددا كبيرا من المؤلفات فاقت المائة وخمسة وعشرون تم جمعها في عدة مجلدات تحت اسم 'الكوميديا البشرية'، من أبرز أعماله الرائعة: فسيولوجيا الزواج، جلد الأسى، الفتاة ذات العيون الذهبية، ازدهار وبؤس الغانيات، المرأة في الثلاثين، أوهام ضائعة، موديست مينيون، سرافيتا، بداية في الحياة، أمير من بوهيمية، كاهن الأردين نموذجا، الجنية الأخيرة وغيرها.
ولعل مؤلفه فسيولوجيا الزواج الذي أبان فيه الكاتب عن كعب عال يعتبر باكورة أعماله، وهو عبارة عن تحفة فنية صادقة ونادرة لما كان عليه مجتمع القرن التاسع عشر، وفي النهاية يعتبر أيضا لوحة للعادات المعاصرة تماما، وقد عمل فيه بلزاك بمقولة المثل الشعبي المغربي 'شَرّحْ مَلّحْ' لمعضلة الزواج بجميعا حيثياتها وخباياها وإشكالاتها لدرجة أن أفكاره العقلانية والدقيقة والتي لا تخلو أحيانا من طرافة وتنكيت جاءت صريحة مباشرة قوية ومدوية، ويبدو أن ما أبدعه بلزاك في فسيولوجيا الزواج قد عانى منه هو شخصيا لأن أمه  التي كانت تصغر أباه بكثير كانت تخونه لدرجة أنه شكك في نسب أخيه الأصغر، كما كانت له هو أيضا عدة خليلات وعشيقات زيادة على زوجته، دون نسيان الفاجعة التي ألمت به عند مصرع أخته الأصغر منه في حادثة سير و لم يكن سنها آنذاك يتجاوز ثلاثا وعشرين سنة من بعد زيجة فاشلة وتعيسة للغاية، يقول بلزاك عن مؤلفه هذا: الفسيولوجيا، سيدتي، هو كتاب من أجل الدفاع عن النساء، وهكذا فإن معنى كتابي هو تحميلي الحصري لجميع الخطايا التي ارْتُكِبت من طرف النساء لأزواجهن..إنها تبرئة عظيمة، بعد ذلك أطالب بالحقوق الطبيعية والغير قابلة للتقادم للمرأة، ليس هنالك زواج سعيد إذا لم تسبقه معرفة شاملة من طرف الزوجين فيما يتعلق بالتقاليد والعادات والطبائع إلى غير ذلك، ولم يحدث أن تراجعت عن هذا المبدأ أمام أية عواقب، ويضيف الكاتب متهكما أولئك الذين يعرفونني يعلمون بأنني كنت دائما وفيا منذ سن الرشد، فسيولوجيا الزواج هو دليل للعريس لاجتناب أن يكبل بالأصفاد: معرفة الأعراض، معرفة أسلحة الزوجة، معرفة مقالب الزوج الذي تخونه زوجته إلخ...
فسيولوجيا ماذا تريدين مني؟
هل هدفك هو إثبات أن الزواج يوحد مدى الحياة مخلوقين لا يتعارفان؟
بأن الحياة تكمن في الرغبة ولا توجد رغبة تقاوم الزواج؟
بأن الزواج هو مؤسسة ضرورية للحفاظ على المجتمعات لكنه مخالف لقوانين الطبيعة؟
بأن الطلاق، هذا المسكن الرائع، لشرور الزواج سيكون مرغوبا فيه بالإجماع؟
بأنه بالرغم من كل هذه العيوب، فإن الزواج هو المصدر الأول للتملك؟
يوفر ضمانات أمنية لا حصر لها للحكومات؟
بأن هناك شيء مؤثر في ارتباط مخلوقين لتحمل أكدار الحياة؟
وبأن هناك شيئ سخيف يُريد بأن يُدِيرَ فكرٌ واحدٌ إرادتين مختلفتين؟
بأن تُعَامَل المرأة كعبد؟
بأن ليس هناك زيجات سعيدة تماما؟
بأن الزواج محفوف بالجرائم، وبأن جرائم القتل المعروفة ليست هي الأسوأ؟
بأن الإخلاص شيء مستحيل، على الأقل بالنسبة للرجل؟
بأن الزنا يتسبب في أضرار أكثر مما يوفر الزواج من صلاح؟
بأن خيانة المرأة تعود إلى فجر تاريخ المجتمعات، وبأن الزواج يقاوم هذا الغش الأزلي؟
بأن قوانين الحب تربط بقوة مخلوقين لا يستطيع أي قانون بشري أن يفرق بينهما؟
إذا كانت هناك زيجات مدونة على السجلات لدى السلطات الرسمية، فهنالك أخرى شُكِّلَتْ وفقا لرغبات الطبيعة على امتثالية لينة أو على اختلاف كلي في الفكر وبتطابقات جسدية كما الأرض والسماء في مناوئتهما المستمرة؟
بأن هناك أزواج أغنياء بأجساد وعقول علوية لدى زوجاتهم خلان غاية في البشاعة  صغار وأغبياء؟
كل هذه الأسئلة توفر حسب الحاجة كتبا، لكن هذه الكتب أُنْجِزت وتم حل الأسئلة إلى الأبد؟
فسيولوجيا ماذا تريدين مني؟
هل تريدين حسب الصدفة أن تقدمي لنا لوحات رُسِمَت بشكل أكثر أو أقل جودة لإقناعنا بأن الرجل يتزوج:
طموحا..وهذا شيء معروف،
طيبوبة، لانتزاع فتاة من طغيان والدتها،
غضبا، لحرمان أقربائه من الإرث،
ازدراء لعشيقة خائنة،
مللا من حياة الصبا اللذيذة،
حمقا..وكان هذا أحد الأسباب على الدوام،
تحديا، وهذا حال اللورد بايرون1،
شرفا مثل جورج داندان2،
مصلحة، وهكذا كانت الأمور دائما تقريبا،
لقبح، خشية أن يفتقد النساء يوما ما،
مكيافيليا  كي يرث على الفور  امرأته العجوز،
ضرورة، كي نعطي حالة لابننا،
رغبة، للإستشفاء بالتأكيد،
شجارا، لإنهاء محاكمة،
اعترافا، أي إعطاء أكثر مما تلقينا،
حكمة، وهذا ما زال يحدث لذوي العقائد والمذاهب،
توصية، عندما يشترط العم المتوفى في وصية إرثه الزواج من ابنته،
شيخوخة لوضع حد للنهاية،
بحكم العادة في تقليد الأسلاف الأولين.
ترجمة ضفاف بتصرف طفيف
هوامش:
1 اللورد بايرون من رواد الشعر الرومانسي الإنجليزي في بداية القرن التاسع عشر.
جورج داندان بطل كوميديا الباليه من تأليف الكوميدي والمسرحي والشاعر الفرنسي موليير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق