أجمل الكلام مما قل ودل

من أهم ميزات الشعر العربي وصوله إلى القلب أسرع منه إلى العقل، تعلقه بالحقيقة والواقعية، رقة الإحساس بالحياة بجميع تجلياتها بأحزانها وأفراحها، انجذاب قوي نحو الشعور بكل ما هو جميل، الاعتدال والاتزان في تناول الأمور مع المحافظة على قواعد وروح الشعر منذ العصر الجاهلي، دون أن أنسى أهم ميزة للشعر العربي الأصيل ألا وهي الإيجاز الذي يكمن بالأساس في قلة اللفظ مع تأدية المعنى بعمقه الأوفى، فقصر العبارة مع دلالتها على المعنى بشكل مستوف وجميل لغويا وحبكا كفيل بصيرورتها وجريانها على الألسن وحفظها على مر الأزمان، لدرجة أنها تصبح ألصق بالذهن لسهولة حملها على الذاكرة، ولا يميل إلى الإيجاز إلا أصحاب النفوس السامية والهمم العالية.
وعندما تجتمع موهبة الحكمة وموهبة الكلام الشعري بميزاته السالف ذكرها وقواعده وموازينه وموسيقاه في نفس واحدة فذلكم هو الشاعر الكبير، ومن بين هؤلاء على سبيل الذكر لا الحصر:
دِعْبل الخُزاعي:
يَمُوتُ رَدِيئُ الشِّعْرِ مِنْ قَبْلِ أَهْلِهِ    وَجَيِّــــدُهُ يَبْقَى وَإِنْ مَاتَ قَائِــــلُهُ
محمد بن إدريس الشافعي:
إِذَا الـمَـرْءُ لاَ يَــــرْعَــــــاكَ إِلَّا تَكَــــــــلُّــفاً      فَدَعْــــــــــهُ وَلاَ تُـــــــكْـــثِـــرْ عَلَـــيْهِ الــتَـــأَسُّـــــــــفَا
فَفِي النَّاسِ أبْدَالٌ وَفِي التَّرْكِ رَاحَة ٌ     وَفِي القَلْبِ صَـــبْرٌ لِلْـــحَبِيبِ وَلَوْ جَـــــفَــا
فَمَا كُلُّ مَنْ تَهْـــــــــوَاهُ يَهْــــــوَاكَ قَـــلْبُـــهُ      وَلاَ كُـــلُّ مَنْ صَــافَــيْـــتَــهُ لَكَ قَدْ صَـــفَــــــــا
إِذَا لَـمْ يَكُنْ صَفْـــــــوُ الــــوِدَادِ طَبِيعَة ً     فَلاَ خَـــــــيْــــــــرَ فِي وِدٍّ يـَـــجِــــيءُ تـــَـكَـــلُّـــفَــــا
وَلاَ خَـــــيْرَ فِي خِـــــلٍّ يـَخُونُ خَلِيلَــــهُ       وَيَـــلْقَـــــــــــــاهُ مِنْ بَعْدِ الـمَــــــــوَدَّةِ بِالْـجَـــــــفَا
وَيُـــنْــكِرُ عَيْشاً قَدْ تَقَـــــادَمَ عَـــهْــــدُهُ       وَيُظْهِرُ سِــــرًّا كَانَ بِالأَمْــــسِ قَــدْ خَـــــــفَا
سَلاَمٌ عَلَى الدُّنْيَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بِهَا       صَدِيقٌ صَدُوقٌ صَادِقُ الوَعْدِ مُنْصِفَا
***
قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَمَا مَاتَتْ مَكَارِمُهُمْ     وَعَاشَ قَــــوْمٌ وَهُمْ فِي النّاسِ أَمْــــوَاتُ
أبو العتاهية:
يَا جَامِعَ الـمَالِ فِي الدُّنْيَا لِوَارِثِهِ    هَلْ أَنْتَ بَعْدَ الـمَــــوْتِ تَنْـتَـفِـعُ
***
صَدِيقِي مَنْ يُقَاسِمُنِي هُمُومِي    وَيَرْمِي بِالعَدَاوَةِ مَنْ رَمَانِي
وَيَحْفَظُنِي إِذَا مَا غِبْتُ عَنْهُ    وَأَرْجُـــــــوهُ لِنـَــــــــائِبَةِ الـــــــزّمـَــــــــانِ
***
يَا وَاعِظَ النّاسِ قَدْ أَصْبَحْتَ مُتّهَماً    إِذَا عِبْتَ مِنْهُمْ أُمُوراً أَنْتَ تَأْتِيهَا
كَالْـمُلْبِسِ الثّــــوْبَ مِنْ عُرْيٍ وَعَوْرَتُـهُ    للِنـّـــــــــاسِ بَـــادِيـَــةٌ مَا إِنْ يُــــــوَارِيهـَـــــــــا
***
رَأَيْتُ النّفْسَ تَحْقِرُ كُلّ مَا لَدَيْهَا    وَتَطْلُــــــبُ كُــــلّ مُـــمْتَنِــــــعٍ عَلَيْهَـــــا
المتنبي:
رَمَانِي الـــــــــدّهْــــرُ بِالْأَرْزَاءِ حَـــــتّى    فُــــــــــــؤَادِي فِي غِشَـــــــاءٍ مِنْ نِبَــــــالِ
فَصِــرْتُ إِذَا أَصَابَتْنِي سِهَـــــــــــامٌ    تَكَسّرَتِ النِّصَالُ عَلَى النِّصَالِ
***
وَإِذَا خَامَرَ الهَوَى قَلْبَ صَبٍّ    فَعَلَيْهِ لِكُــلِّ عَيْـــــــنٍ دَلِــيـــــلُ
***
لَيْسَ الجَمَالُ لِوَجْهٍ صَحٍّ مَارِنُهُ    أَنْفُ العَزِيزِ بِقَطْعِ العِــــــزِّ يُجْتَــــدَعُ
***
يُخْفِي العَدَاوَةَ وَهْيَ غَيْرُ خَفِيّةٍ    نَظَــــرُ العَــــدُوِّ بِمَا أَسَرّ يَبُــــوحُ
أبو العلاء المعري:
وَلَمّا رَأَيْتُ الجَهْلَ فِي النّاسِ فَاشِـــياً    تَجَاهَلْتُ حَتّى ظُــــــنّ أَنِّــيَ جَاهِــــــــلُ
فَوَاعَجَباً كَمْ يَدّعِي الفَضْلَ نَاقِصٌ    وَوَاأَسَفاً كَمْ يُظْهِرُ النّقْصَ فَاضِلُ
***
إِنْ مَازَتِ النّاسَ أَخْلاَقٌ يُعَاشُ بِهَا    فَإِنّهُمْ عِنْدَ سُوءِ الطّبْـــــــعِ أَسْـــــــوَاءُ
أَوْ كَانَ كُلُّ بَـــنِي حـَـــــــوّاءَ يُشْبِهُـــــــنِي    فَبِئْسَ مَا وَلَدَتْ فِي الدّهْرِ حَوّاءُ
***
وَالْـخِـلُّ كَالـمَاءِ يُبْدِي لِي ضَمَائِرَهُ    مَعَ الصّفَاءِ وَيُـخْفِيهَا مَعَ الكَـــــــدَرِ
***
وَالدّهْرُ كَالدّهْرِ وَالأَيّامُ وَاحِدَةٌ    وَالنّاسُ كَالنّاسِ وَالدُّنْيَا لِمَنْ غَلَبَا
***
ضَحِكْنَا وَكَانَ الضّحِكُ مِنّا سَفَاهَةً    وَحُقّ لِسُكّانِ البَسِيطَةِ أَنْ يَبْكُوا
يُحَطِّـــمُــــنَا صَـــــــــرْفُ الزّمــَــــــــــــــانِ كَأَنّـــــنَا    زُجَاجٌ وَلَكِنْ لاَ يُعَـــــــادُ لَهُ سَبْكُ
أحمد شوقي:
وَإِذَا أُصِيبَ القَوْمُ فِي أَخْلاَقِهِمْ    فَأَقِـــمْ عَلَيْهِمْ مَأْثَـماً وَعَـــــــــوِيــــــــلاَ
***
سَاءَتْ ظُنُونُ النّاسِ حَـــــتّى أَحْدَثُوا    للِشّـــــكِّ فِي النُّورِ الــمُبِينِ مَـجـَــــالاَ
وَالشّكُّ يَأْخُذُ مِنْ ضَمِيرِكَ مَأْخَذاً    حَــــتّى يُـــــرِيكَ الـــمُسْتَقِيمَ مُـحَــــــالاَ
***
إِنّ الشّجَاعَةَ فِي القُلُوبِ كَثِيرَةٌ    وَوَجَدْتُ شُجْعَانَ العُقُولِ قَلِيلاَ
***
إِنِّي نَظَرْتُ إِلَى الشُّعُوبِ فَلَمْ أَجِدْ    كَالْجَهْــــــــلِ دَاءً للِشُّعُوبِ مُبِيـــــدَا
الجَهْــــلُ لاَ يـَـــــلِـــــــدُ الحَيــــــَــــاةَ مَوَاتُــــــــــهُ    إِلاّ كَمَا تَــــــلِــــدُ الرِّمَـــــــامُ الــــدُّودَا
السمؤل:
إِذَا الـمَرْءُ لَمْ يُدَنِّسْ مِنَ اللّوْمِ عِرْضَهُ    فَكُـــــــــلُّ رِدَاءٍ يَــــــْرتَدِيــــــــــهِ جَــــــمِيلُ
كعب بن زهير:
كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلاَمَتُهُ    يَوْماً عَلَى آلَــــــــةٍ حَــــــدْبَاءَ مَـــحْمُولُ
أبو فراس الحمداني:
إِنّ الغَـــــــنِيّ هُــــوَ الغَـــــــــنِيُّ بِنَفْسِــــــــــهِ    وَلَوْ كَانَ عَارِيَ الـمَنَاكِبِ حَافِ
مَا كُلُّ مَا فَوْقَ البَسِيطَةِ كَافِيـَـا    وَإِذَا قَنَعْتَ فَكُــــــــلُّ شَيْءٍ كَافِ
الطغرائي:
أُعَلِّـــــــلُ النّفْسَ بِالآمَـــــــــالِ أَرْقُبُهَا    مَا أَضْيَقَ العَيْشَ لَوْلاَ فُسْحَةَ الأَمَلِ
***
تَـــرْجُو البَقَاءَ بِدَارٍ لاَ ثَبَاتَ لَـهَا    فَهَلْ سَـــمِعْتَ بِظِــلٍّ غَيْرَ مُنْـتَـقِـلِ
أبو تمام:
رَأَيْتُ الحُرّ يَجْتَنِبُ الـمَخَازِي    وَيَحْمِيهِ مِنَ الغَـــــدْرِ الــــوَفَـــــــــاءُ
طرفة بن العبد:
وَظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةً    عَلَى الـمَرْءِ مِنْ وَقْعِ الـحُسَامِ الـمُهَنّدِ
***
وَأَمَـــــــرُّ مَا لَقِيتُ مِنْ أَلَـــمِ الـهَـــــــوَى    قُرْبُ الـحَبِيبِ وَمَا إِلَيْهِ وُصُــــولُ
كَالْعِيسِ فِي البَيْدَاءِ يَقْتُلُهَا الظّمَا    وَالــمَاءُ فَوْقَ ظُهُــــــورِهَا مَحْمُـــــولُ
النابغة الشيباني:
كَمْ مِنْ مُؤْمِلِ شَيْءٍ لَيْسَ يُدْرِكُهُ    وَالـمَرْءُ يُزْرِي بِهِ فِي دَهْرِهِ الأَمَـلُ
يَرْجُو الثّرَاءَ وَيَرْجُو الخُلْدَ مُجْتَهِداً    وَدُونَ مَا يَرْتَجِي الأَقْدَارُ وَالأَجَلُ
 حاتم الطائي:
فَنَفْسَــــكَ أَكْرِمْهَا فَإِنّكَ إِنْ تَـهُــــــنْ    عَلَيْكَ فَلَنْ تَلْقَى لَهَا الدّهْرَ مُكْرِمَا
حسان بن ثابت:
لاَ بَأْسَ بِالقَوْمِ مِنْ طُولٍ وَمِنْ عِظَمِ    جِسْمُ البِغَـــــالِ وَأَحْـــــــــــلاَمُ العَصَافِيرِ
بهاء الدين زهير:
مَا كُلُّ مَخْضُوبِ البَنَانِ بُثَيْنَةٌ    وَلاَ كُلُّ مَسْلُوبِ الفُـــؤَادِ جَـمِيلُ
سليم الخوري (الشاعر القروي):
أَغْضِبْ صَدِيقَكَ تَسْتَطْلِعْ سَرِيرَتَهُ    للِسِــــــــــرِّ نَافِــــــذَتَانِ: السُّكْرُ وَالغَضَبُ
مَا صَرّحَ الحَوْضُ عَمّا فِي قَــــــــــرَارَتِهِ    مِنْ رَاسِبِ الطِّينِ إِلاّ وَهْوَ مُضْطَرِبُ
محمود سامي البارودي:
وَالدّهْرُ كَالدُّولاَبِ يَخْفِضُ عَالِياً    مِنْ غَيْرِ قَصْــــــدٍ وَيَــــرْفَعُ سَافِــــــــلاَ
معروف الرصافي:
وَشَـــرُّ العَالَـــــمِينَ ذَوُو خُـــــمُولٍ    إِذَا فَاخَرْتَهُمْ ذَكَرُوا الـجُدُودَا
أبو الحسن التهامي:
ثَوْبُ الرِّيَاءِ يَشِفُّ عَمّا تـَحْتَهُ    فَإِذَا التَحَفْتَ بِهِ فَإِنّكَ عَارِ
ابن دريد:
وَمَا أَحَدٌ مِنْ أَلْسُنِ النّاسِ سَالـِماً    وَلَوْ أَنّهُ ذَلِكَ النّـبِـي الـمُطَهّـــــــــرُ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق