إرضاء كل الناس من رابع المستحيلات

لي رؤية مغايرة للتي لدى الكثير من الناس، وقد تبدو غير اعتيادية، وذلك تبعا للزاوية التي أنظر من خلالها إلى الأمور، فلكل منا زاويته وطريقته وأسلوبه الذي اختاره في الحياة، وليس هنالك شيء اسمه التجريد الكامل والموضوعية المطلقة أو النموذج المثالي الذي ينبغي على كل امرئ أن يقتفيه ويعض عليه بالنواجذ، وكل منا لا يزن الأمور إلا انطلاقا من ضميره وتجربته في الحياة وحجته وبرهانه وقناعاته الشخصية، وكل منا هو كتاب فريد من نوعه يحوي بين دفتيه قصة لاتشبه قصة أي كتاب آخر، كما هو الشأن بالنسبة لاختلاف بصماتنا من العيون حتى الأصابع، وهذه بديهية في شأن الخليقة وآية من آيات الله في خلقه، ومن أراد أن أشبهه أو أتشبه به في أفكاره، أو أسلوبه في العيش، أو نظرته للحياة كي يرضى عني، فَسُحْقاً وَتَبّاً لَهُ، وَلْيَذْهَبْ إِلَى الجَحِيمِ ذَهَاباً بِلاَ إِيّابٍ، لأنه بكل بساطة يتهجم علي ويعتدي على حقي في هذه الحياة.
وقديما قالت الأعراب بأن المستحيلات ثلاث، وهي الغول والعنقاء والخل الوفي، وأنا أزيدهم مستحيلا رابعا على حسابي وهو إرضاء كل الناس، قد أُخْطِأُ ولا أخشى من التعلم من أخطائي لأنني واقعي وصادق مع نفسي وألومها قبل أن يلومني الآخرون، وأصعب ما يواجه المرء في هذه الحياة التي يأتي إليها باكيا عاريا دون إرادته، ثم يغادرها بعد برهة من الزمن باردا عاريا دون إرادته أيضا، لا يكمن في توفير قوته وملبسه وملجإ يأوي إليه من نوائب وتقلبات الدهر، بل يكمن في استحالة إرضاء كل الناس، الذين لن يتركوا له في حروبهم الضروس على جميع الأصعدة  وقتا للهدنة أو برهة للاستراحة، كي يسترجع أنفاسه من كثرة السهام السامة المنتقدة التي تصب عليه صبا، لا لشيء إلا لكونه مختلف عنهم في طريقة تفكيرهم وفي أسلوب حياتهم الذي اختاروه لأنفسهم، وهم يعتقدون بغباوة ما بعدها غباوة أن هذا الأسلوب هو الوحيد والفريد من نوعه في الكون، بل هو طريق الخلاص والصراط المستقيم، غير مدركين بأن الأصل في حياة الكائنات هو الاختلاف والتنوع، ولا مجال أن تتشابه الأمور لدرجة أن تُضحي روتينية تافهة ومائعة.
إن الله جل جلاله لا يحاسب البشر إلا بعد أن ينتهي أجلهم، فلما أنت متسرع أيها الــقــــــــزم  في محاسبتي؟، وهذا لعمري هو ما يغمرني بشعور قوي بالحياة، ويجعل حدسي متقدا، وأكون دائما على أهبة الاستعداد لمواجهة أسوإ الاحتمالات من بني البشر، فالإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان، لكل امرئ سر مدفون حتى يتم اكتشافه، عالم حيث المؤامرات تُغطى بالسرية، عالم يسرق الأحلام ويغير الهويات ومن يكون المرء حقا، عالم يقود فيه اليقين إلى الجنون، أما الشك فهو الشهد الذي يتذوق المرء منه متعة التفاهة، ولطالما شَدَّني إليه منظر التفاهة في أزهى صورها وزينتها المطلية بكل المساحيق الاصطناعية وهي واقفة تضحك بملإ شدقيها، لما  أَدْرَكَتْ أن الناس لم يتعلموا شيئا من التاريخ، فقالت لي مستهزئة: 
أتدري عما تتهامس النساء عندما يتحدث الرجال؟ أجبتها: التفاهة وحدها تدري، قالت: الكلمة حين تبدأ يستحيل إيقافها، ويصبح أحيانا المكان فوضويا في أجواء من الضحك والقهقهات العالية التي يُخْفِي الناس فيها شقاءهم، ويصدر صوت يقول:تبا لكم ولهمسكم...، فقلت لها: أليس الضحك والتهكم هو الملاذ الوحيد والأخير للبشر عندما يُصبح هم العالم ثقيلا؟، عندما لا يعود يميز بين الوهم والحقيقة، حين تخترق المسامير الجلد واللحم والعضلات لتصل إلى العظم، اسألوا من دقت المسامير في أيديهم بما كانوا يشعرون.
وما أدراك بالحقيقة أيها المغفل، الحقيقة نسبية ومتغيرة الأهواء والأجواء، والمثالية تمثيلية لا تدوم، ولا يوجد شيء في السياسة متعلق بالشرف يا أصحاب الشرف العالي، والمال مفسدة عظيمة للسلطة، والماضي هو الماضي، والمستقبل لم يحن بعد، كل ما هنالك الآن هو الحاضر، هو يومك ساعتك دقيقتك ثانيتك، اشهق وازفر فيها، وقل مع نفسك إنني لا زلت أعيش هنا، وكن علي يقين تام أنه بقدر ما ازددت معرفة بأمور كنت تجهلها فلن تزداد إلا  عناء وشقاء أقسم لك بالله، وليس المهم ما يدخل إلى الفم من مجازر الحيوانات المسكينة والنباتات، لأنها تتحول في أقل من ست ساعات إلى خـراء منفر كريه الرائحة، بل الأهم هو ما يخرج منه جملا منظومة بحللها الموشاة بالدروس والعبر والحكم.
غير أني قررت أن أتوقف عن الكلام في المجالس ومع الجلساء من بعدما تيقنت بأن الحكمة والموعظة الحسنة لم تعد تفيد ولا تـُجدي نفعا مع أقوام يعبدون الذهب واليورو والدولار، فصرت كثيرا ما أستعمل يداي في الإشارة، فلليد لغة صامتة وموجزة، لغة الأصابع وراحة اليد وتموقعهما بالنسبة لباقي الجسم، التي غالبا ما تُغني عن الثرثرة وكثرة القيل والقال، فبإشارة واحدة باليد يستطيع شخص أن يعرف موقفي من مسألة ما دون أن أنطق ببنت شفة.
هنالك في لا شعوري العميق ثمة جملة موجزة بليغة وقاتلة، كانت دائما ترن بقوة في مخيلتي، جملة قالها نابوليون بونابرت ثم انصرف وبرد جسمه وتحلل إلى تراب، لكن هذه الجملة بقيت متقدة وحارة كحمم بركان جامح، كلما نطقت بها تحرق لساني ويمتد حريقها إلى جوفي وسائر أعضائي، لأنها تختزل التاريخ البشري برمته وصراع البشر الدموي المحتدم  على الثلاثي المقدس الذي أصارحكم بدون نفاق أنه ليس سوى السلطة والمال والجنس، إنها....، سوف أنطق بها، إنها...... إنها.......أخاف أن تحرقني، على كل سوف أقولها: "نحن إما ملوك أو بيادق"، ليس تمة موقف وسط أي  ملوك زائد بيادق والكل مقسوم على اثنين، معادلة لا تمت للواقع بصلة ولا توجد إلا في كتب الرياضيات النظرية.
وفي حكاية الطحان وابنه والحمار للأديب الفرنسي الكبير جون دو لافونتين خير درس وعبرة في أن المرء ليس بوسعه أن يُرضي كل الناس،  وفي ذلك قال الطحان لابنه نصيحته المشهورة: "أريت يا بني ماذا حدث لنا عندما استمعنا إلى كلام الناس، فعلنا كل ما طلبوه منا ولم نُرْضِ أحدا، حملنا الحمار فسخروا منا، سرنا وسار معنا الحمار فاتهمونا بأننا مغفلان، ركِبتَ أنت فنِلتَ من الضرب ما لم أضربك إياه طوال حياتي، ركبتُ أنا فاتهموني بالظلم والقسوة عليك، امتطينا الحمار سويا فاتهمونا بالاستغلال البشع للحمار والقسوة عليه، سأكون أنا حماراً وأقل من حمارٍ لو أنني من الآن فصاعدا أَعَرْتُ أذني لما يقوله الناس، سوف أفعل ما أفعل وما يحلو لي أنا، وسوف أنفذ ما أقرره أنا، وليكن هذا درسا لك كما كان درسا لي، قرر ونفذ ولا تأبه لما يقوله الناس فيك، لأن من يحاول أن يُعجِب الناس جميعا لن يُعجِب أحدا."

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق