سِرَاجُ سيدي عبدالرحمان المجذوب

الشيخ سيدي عبدالرحمان المجذوب بن عياد بن يعقوب بن سلامة الصنهاجي الدكالي وأصله من قرية تيط بالقرب من مدينة أزمور المغربية، حل بمدينة مكناس في عهد السلطان العلوي المولى إسماعيل ثم غادرها إلى مدينة فاس حيث حفظ عن كبار علمائها، غير أن أحواله تغيرت بعد ذلك فولى مدبرا للدنيا بظهره وساح في الأرض متجولا ومتأملا حتى وافته المنية سنة 1568م.
لم يقرأ سيدي عبدالرحمان المجذوب لا في الصربون ولا في كلية من كليات القانون الخاص والقانون العام والقانون الدولي، ولا في مدرسة لل'باش' مهندسين من صنف القناطر والجسور، ولا في مدرسة للتسيير الإداري أو 'المناجمنت' كما يحلو للمتفرنسين تسمية ذلك، ولا يجب أن يُفهم من كلامي السالف الذكر على أنني أطعن في أصحاب الديبلومات والشواهد العليا وأنتقص من مكانتهم  في ريادة القافلة التنموية لأي مجتمع من المجتمعات على جميع الأصعدة والمستويات، فأنا واحد من عائلتهم على أية حال، إنما تمقت نفسي مقتا لا نظير له فئة المتغطرسين والمتفرعنين والمستعلين منهم على خلق الله، الذين كنت دائما معهم أينما ارتحلت وحللت -وسأبقى- في حرب باردة مفتوحة على جميع الاحتمالات.
 وعلى الرغم من كون الشيخ لم يدرس في أي من تلك المدارس غير أنه اقتفى نهج كبار الفلاسفة والصوفية في مدرسة فريدة من نوعها ألا وهي 'مدرسة الحياة'، واستنبط منها دروسا وعبرا وحكما عن الحياة والأحياء، فنظمه بكلام موزون ملحون بقي إلى يومنا هذا متداولا بصورة تثير الدهشة والإعجاب في مجموع أرجاء المغرب العربي، وفي مجالس الناس وأحاديثهم ومنتدياتهم، لأنه كلام سهل سلس صادق بدون محاباة ولا تنميق ولا نفاق، كلام أشبه بمرايا  تعكس حياة الناس ودواخلهم ومسيرة مجتمعهم بكل تجلياتها، والدروس والعبر التي استخلصها عبر معايشته واحتكاكه بجميع أصناف البشر عبر حقبة طويلة من الزمن.
 كلام صادر عن شيخ مؤمن، وفراسة المؤمن لا تخطأ غالبا، ولا يمكن البتة تعلم مثل هاته الأمور في المدارس السالفة الذكر لافتقارها للعمق الإنساني والحس المرهف من جهة، وافتقادها للجانبين الأخلاقي والروحي من جهة ثانية...وفاقد الشيء لا يُعطيه، فمعظم هذه المدارس تنحو بميولات مرتاديها وخريجيها خلال فترة تكوينهم مناحي لا يُسمع فيها إلا رنين النهود والنقود لا غير.. إلا من رحم ربك، والشيخ على النقيض من هؤلاء زهد في ذلك ثم عافه ولفظه، وساح في البلاد طولا وعرضا للوعظ والإرشاد، حاملا بيمناه عصاه التي يتوكأ عليها وبيسراه سراجا مضيئا في وضح النهار، وفي ذلك إشارة بليغة  ومغزى أبلغ لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فالسراج المضيء في وضح النهار المشمس هو تعبير على أن الظلم قد عم البلاد لدرجة تخييم الظلمات على العباد في عز الظهيرة، ولعل في ديوان سيدي عبدالرحمان المجذوب الذي جمع بين دفتيه ما نُسِب إليه من كلامه المأثور الرائع ما يُغْنِي عن ثَرْثَرَتِي ويُفِيدُ:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق