عبرة دمار مدينة بومبي

كانت مدينة بومبي 'Pompeii' الرومانية ذات 200.000 نسمة والواقعة على سفح جبل 'فيزوف' بالقرب من خليج نابولي بإيطاليا تعيش أزهى فترات ازدهارها وتأنقها، حيث كانت الـمصيف الروماني المفضل الذي يقصده كبار الأثرياء طلبا للمتعة ورغبة جامحة في الزنا والشذوذ الجنسي، حتى وقعت الواقعة التي محت المدينة عن بكرة أبيها من خريطة الكرة الأرضية سنة 79 بعد الميلاد، عندما ثار البركان ثورانا هائلا مروعا ودمر مدينتي 'بومبي' و'هركولانيوم'.
انفلقت الصخور واللهب والدخان والرماد والغبار والأتربة في عمود ضخم متجهة نحو السماء لتسقط بعدها بنصف ساعة على رؤوس السكان، حيث تحولت المباني والقصور والضياع والجنان ومتاع الدنيا إلى خراب ورماد، وقد تم العثور على الضحايا وهم في أوضاعهم المختلفة التي فقدوا فيها الحياة وكأن الأمر أتاهم بغتة لم يترك أية فرصة للنجاة من جحيم وهول الكارثة، فتحول الناس الذين كانت تدب فيهم الحياة إلى جثث متفحمة ومتحجرة، وبعد ذلك بساعات وصلت الحمم الملتهبة الزاحفة على الأرض إلى المدينة فأنهت كل أشكال ومظاهر الحياة فيها كليا، ودفنت المدينة تحت ثلاثة أمتار من الحمم والأتربة والغبار، وطمر البركان المدينة بالرماد لمدة 1600 سنة حتى تم اكتشافها في منتصف القرن الثامن عشر على يد فلاح كان يحرث حقله فوقها، وتولت بعد ذلك المؤسسات الأثرية استكمال استكشافها.
الفيلم التاريخي التالي يحكي بشكل درامي مؤثر أكبر كارثة مأساوية عرفها التاريخ البشري، وهو بمثابة صيحة في واد لثلة الفاسدين والمفسدين في كل الأزمنة والأمكنة كي يستخلصوا منها الدروس والعبر التي تغيب غالبا عن أذهانهم:
كان 'ميلو' العبد لأحد كبار تجار الرقيق يحلم باليوم الذي يستطيع فيه أن يشتري حريته وينعتق من العبودية والذل كي يتزوج ابنة سيده ومولاه، غير أن هذا الأخير الذي وجد نفسه مكبلا من كل جانب بالديون الثقيلة وعد أحد أعضاء مجلس الشيوخ الروماني المستبد بتزويجه ابنته التي أحبت 'ميلو' وأحبها مقابل تنازله عن هذه الديون.
أحس 'ميلو' بالتلاعب به وخيانته فلم يجد بدا من المجازفة بحياته كمصارع من أجل البقاء على قيد الحياة عله يلتقي بعشيقته، في نفس الوقت بدأت أدخنة سوداء غريبة تتصاعد من جبل 'فيزوف' ترافقها اهتزازات أرضية بين الفينة والأخرى، وسط لامبالاة تامة من الناس الذين كانوا منشغلين بحياتهم اليومية العادية البائسة والحقيرة بالنسبة لعبيدهم وفقرائهم، وبمشاريعهم الكبرى ولـهوهم وتهتكهم وظلمهم واستبدادهم بالنسبة لأغنيائهم وأثريائهم وحكامهم، غير أن ما كان يخبئه لهم القدر جميعا بكل طبقاتهم وفئاتهم لم يكونوا ليتصوروا حجمه حتى في أكثر المآسي ترويعا، فما هي إلا ساعات قلائل حتى أضحت مدينتهم الجميلة الوديعة التي كانت تعج بالحياة مسرحا لأعظم كارثة ماحقة ومدمرة في تاريخ البشرية برمته، أتت على المدينة بأكملها كأنها لم تغن بالأمس، وتركتها عبرة للبشرية جمعاء على مر الدهور والأزمنة في صور متحجرة جد معبرة عن حجم هذه الكارثة التي كانت بمثابة نهاية العالم لسكان مدينة بومبي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق