المجتمع العربي مريض ولم يعالج مرضه

الإنسان العربي والمسلم بشكل عام مصاب بمرض ازدواج الشخصية الحاد نتيجة الكبث السياسي والعاطفي والنفسي التاريخيين الذين عانى ومازال يعاني منهم، وذلك كردة فعل عن عدة ظواهر شاذة عاشها هذا المجتمع على مدى فترات التاريخ، من تسلط وتعسف، وقهر وظلم، وحرمان عاطفي، وبطش واستبداد، وفساد للأنظمة التي توالى حكمها على هذه الأمة المهدورة.
وكانت النتيجة بطبيعة الحال كما أشار إلى ذلك عالم الاجتماع العراقي علي الوردي رحمه الله في مؤلفه الرائع 'وُعَّاظُ السَّلاَطِينِ' أن أضحى هذا الإنسان كثير الوعظ والإرشاد، وكثير التذكير بعذاب جهنم والسعير، ونعيم الحور العين لدرجة التخمة التي تثير التذمر، فتراه في كل ناد، على الفضائيات، على الأنترنت، في الصحف والمجلات، في المجالس والمنتديات يحث الناس على التحلي بالوطنية والزهد والعدل والصدق والواجب وحسن الخلق والمساواة والفضيلة والعلم والعفو والتسامح والعفة والصبر والشرف والشجاعة والرحمة والحياء والتواضع لله والأمانة والاستقامة والإخلاص والإحسان والرفق بكل المخلوقات.
تراه يُطالب بكل هذه الخصال الرائعة والصفات الحميدة في مجتمعات تعج حتى حوافيها وأعلى المستويات فيها بالمجرمين والمغتصبين والظلمة والقساة والمستبدين والكذابين والخونة واللصوص والغشاشين والمرابين والمرتشين والمزورين والفاسدين والجبناء.
غير أن هذا الواعظ عندما يختلي  بنفسه  ويظن أنه لا يراه أحد، تنبت له قرنا شيطان في مقدمة رأسه، فتجد على سبيل المثال فقيها يراود تلامذته الصغار عن أنفسهم أو يهتك أعراضهم، وتجد أستاذا جامعيا يهدد طالباته بتنقيطهن تنقيطا متدنيا ويحول بينهن وبين شواهدهن ودرجاتهن إن لم تخضعن لرغباته وتستسلمن لنزواته التي  قد تتحول بقدرة قادر إلى واجب مقدس، وتجد سياسيا أو منتخَباً لا يفرق بين ماله الذي في جيبه وبين مال الله الذي اغتصبه ظلما وعدوانا من بيت مال المستضعفين من المواطنين،  وتجد رجل دين عبدا لأطماعه الدنيوية ونزواته الشاذة المريضة ينوم الناس تنويما مغناطيسيا حتى يستسلموا لجلاديهم وسارقي أرزاقهم بأساطير وخرافات كهنوتية ما أنزل الله بها من سلطان.
لقد قرأت للكاتب الليبي الراحـــــــل الصادق النيهوم رحمه الله معظم مؤلفاته التي كانت غالبا ما تتطرق إلى هذه الازدواجية الخطيرة، إلا أن فقرة أثارت انتباهي لصياغتها بشكل مستوف ومقتضب تعبر أحسن تعبير عن هذه الحالة المرضية، عندما اعتبر أنه فِي مُدُنِ الشَّرْقِ الوَقُورَةِ حِينَ يَبْلُغُ البَدْرُ تـَمَامَهُ وَيَقْبِضُ كُلُّ امْرِئٍ رَاتِبَهُ، تُضَاءُ الـمَقَاهِي وَبُيُوتُ الدَّعَارَةِ، وَتَتَصَاعَدُ خُرَافَاتُ الحُبِّ الشَّبِقَةِ عَبْرَ سَحَابَاتِ التِّبْغِ وَالحَشِيشِ، وَيـَحْتَسِي الرِّجَالُ حَاجَتَهُمْ مِنَ النَّبِيذِ، وَيَتَحَدَّثُونَ عَنِ النِّسَاءِ وَالْغِلْمَانِ، وَلـَحَظَاتِ الشَّبَقِ العَمِيقَةِ الـمَــْبلُولَةِ بِالْعَرَقِ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ..طَارَ الغُرَابُ.. وَاسْتَعَادَ (الرِّجَالُ) وَقَارَهُمْ مـُحَاوِلِينَ أَنْ يَتَفَادُوا ذِكْرَ اللَّيْلَةِ الـمَاضِيَّةِ، فتراهم يوم الجمعة أول الفارين من أعمالهم تحت ذريعة تأدية الصلاة الجماعية حتى لا يقول عنهم الناس بأنهم مفارقون للجماعة، لَقَدْ عَرَضْتُ عَلَى الفَضِيلَةِ بِكُلِّ الأَثْمَانِ، وكَتَبْتُ الـمَقَالاَتِ الجَيِّدَةِ الصِّيَّاغَةِ لـِحِمَايَةِ الأَخْلاَقِ رَيْثَمَا تَغِيبُ الشَّمْسُ وَتَتَعَذَّرُ الرُّؤْيَا...إنه منتهى النفاق.

غير أن الأمراض التي تنخر نخرا قاتلا في جسد هذه الأمة لا تنحصر فقط في مرض ازدواج الشخصية، بل هنالك الكثير من الأمراض الأخرى التي تشل هذه الأمة وترهن حاضرها للصدفة أو 'البركة'  ومستقبلها للمجهول، وقد تناول هذا الموضوع الطبيب الجراح والمفكر السوري الغني عن التعريف خالص جلبي في مؤلفه 'كَيْفَ تَفْقِدُ الشُّعُوبُ الـمَنَاعَةَ ضِدَّ الاسْتِبْدَادِ' عندما اعتبر أن المجتمع العربي والإسلامي مصاب بعشرة أمراض: 
-تَقْدِيسُ الآبَاءِ، 
-تَأْلِيهُ القُوَّةِ، 
-احْتِقَارُ العِلْمِ، 
- تَبْرِءَةُ الذَّاتِ وَاتـِّهَامُ الآخَرِينَ، 
-إِجَازَةُ الغَدْرِ، 
-ظَنُّ أَنَّ النَّصَّ يُغْنيِ عَنِ الوَاقِعِ أَوْ مَرَضُ انْفِكَاكِ النَّظَرِيَّةِ عَنِ الـمُمَارَسَةِ وَالتَّارِيخِ، 
-الاِهْتِمَامُ بِفَضَائِلِ الِجهَادِ بِدُونِ مَعْرِفَةٍ بِشُرُوطِهِ وَهُوَ الخَرَاجُ الذي فَجَّرَ كُلَّ مَشَاكِلِ العُنْفِ فِي المـُجْتَمَعِ العَرَبِي، 
-رَفْضُ الـمُسْلِمِينَ لِلدِّيمُقْرَاطِيَّةِ مَعَ أَنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى الرُّشْدِ مِنْ كُلِّ مَا عَلَيْهِ وَاقِعُ الـمُسْلِمِينَ السِّيَّاسِي اليَوْمَ، 
-تَمَكُّنُ العَقْلِ الخَوَارِقِي الأُسْطُورِي فِي حَيَاتِنَا وَانْحِسَارُ العَقْلُ الْعِلْمِي، 
-ظَنُّ أَنَّ الأَحْكَامَ لاَ تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الأَزْمَانِ.
أما عن الأجهزة البوليسية والعسكرية لهذه المجتمعات فإنها تقوم على العنف واحتكاره والضرب في أي لحظة، فالشرطي تجده مسلحا بمسدس مشحو الطلقات، والقوات المسلحة مبرمجة على الأوامر مثل أي آلة حديدية فاقدة الإرادة، تعمل بضغط الأزرار  لقتل أي كان في أي لحظة، وميزة هذا النظام العسكري الذي اخترعه الجنس البشري مع ظهور المدنية وولادة الحضارة أنه جِهَازٌ مُسْتَلَبُ الإِرَادَةِ فَاقِدُ التَّفْكِيرِ مُبَرْمَجُ التَّوَجُّهِ مِثْلُ دَيْنَاصُورٍ لاَحِمٍ بِدِمَاغِ ذُبَابَةٍ، ويعتبر الدكتور خالص جلبي في مقال له تضمنه كتاب 'أَيُّهَا المـُحَلَّفُونَ اللهُ لاَ الـمَلِكُ' بأن هذه المجتمعات تستورد السيارة والمجالس النيابية، ولكنها لا تستطيع إنتاج سيارة ولا إيجاد حياة نيابية، في قصة مُتَرْجَمَةٍ يَرْوِيهَا أَخْرَسُ مُهِمَّتُهُ الكَلاَمُ.
أما الدكتور المصري الراحل عبدالودود شلبي المحاضر الكبير رحمه الله فقد تطرق إلى هذه الازدواجية في مؤلفه 'عَرَبٌ وَمُسْلِمُونَ لِلْبَيْعِ' عندما أوضح بأن حياة المسلمين لا تعرف نظاما للسلوك يتميزون به عن غيرهم من الأمم، لأن في حكمهم أَمْشَاجُ قوانين وأَخْلاَطُ نظم، وفي قوانينهم وتشريعاتهم مزيج من الإيمان والكفر، وفي اقتصادهم تصطدم مشاعرك بلون أحمر فاقع يقشعر منه البدن، ولون قاتم يُحرَم فيه الإنسان من الأسودين الماء والتمر، وترف داعر يشرف فيه السادرون (المستهترون) بالغواية والخمر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق