المهدي المنجرة مدرسة للصدق والوفاء والوطنية

"حــب الله يسمو على جميع أنواع الحب الأخرى خصوصا إذا اقتـــرن بحـــب العـــلـــم والمعرفة، بينما يقتل حب السلطة جميع أنواع الحب الأخرى"
                                                                                                                               المهدي المنجرة
من حسن حظ المغاربة أن المهدي المنجرة هو واحد منهم، وإذا كانت لدى جنوب افريقيا مناجم الذهب ولدى مصر الأهرام ولدى البرازيل القهوة، فلدى المغرب الفوسفاط والسمك والمهدي المنجرة، يرى بعيدا مثل صقر، ويحلق عاليا كطائر، ويتكلم مثل حكماء الجبال في الصين القديمة،  وهو حين يتكلم فلكي يقول شيئا، هذا « المنذر بآلام العالم »كما قال عنه ميشال جوبير مرة، يشرف اليوم على الثمانين حولا، ولكن الجلوس إليه ساعات يترك لديك انطباعا بأنك أمام رجل يشتغل في شباب كامل، مثل تلميذ يعالج واجباته المدرسية كما يليق،  جاب هذا الطائر الحكيم أزيد من مائة وأربعين دولة عبر العالم في تجربته الغنية مع الحياة والمعرفة، حاور ثقافات وجاور معالم حضارية ولامس أفكارا وناظر عقولا، وعاد ليجلس على كرسي صغير في غرفة ضيقة تحوطها كتب بكل اللغات ليقول لك الخلاصة: « بهذا يُـــعرف الله »، المهدي المنجرة رجل واحد بصيغة المجموع، إنه المفرد حين يكون جمعا.
عن موقع المهدي المنجرة، هذا الموقع الذي
تحول مع كامل الأسف إلى موقع إباحي ياباني
 بنفس الرابط ونفس الاسم بعد وفاة سي المهدي رحمه الله
انتقل إلى عفو الله في صمت جد معبر في خضم بهرجة وضجيج مهرجانات الغناء والكرة ورعاعها وأوباشها وبراهيشها عن سن 81 سنة يوم الجمعة 13 يونيو 2014 عالم المستقبليات البارز وعالم الاجتماع والاقتصادي المغربي المهدي المنجرة، رحل عنا رجل فكر أعتبره شخصيا  بدون منازع من أكبر المفكرين في تاريخ المغرب المعاصر، رجل مبادئ ومواقف إنسانية عالمية لايهتز ولا يتقهقر أمام كل التحديات مهما بلغت ضراوتها، رجل عاش بكرامة وأنفة وعزة عز نظيرها في زمن التفاهة والتفهاء رغم الحصار الذي كان مضروبا عليه، رجل ناضل من أجل الكرامة الإنسانية في الأركان الأربعة من الكرة الأرضية، إنسان شريف عفيف صريح فقدت فيه اللغة العربية واحدا من أشرس المدافعين عنها في العالمين العربي والإسلامي، وفقدت فيه الأمة العربية والإسلامية ابنا بارا كان من أبرز  المعارضين والمنتقدين بشدة على جميع المنابر العالمية من طوكيو حتى واشنطن للسياسات الغربية المستعلية الخرقاء اتجاه العرب والمسلمين والعالم الثالث بصفة عامة.
رأى المهدي المنجرة النور بعاصمة المغرب الرباط في 13 مارس سنة 1933، تابع دراسته الثانوية بثانوية 'اليوطي'، بعد ذلك التحق بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1948، وتابع دراسته بجامعة 'كورنيل' بنيويورك خلال الفترة الممتدة من سنة 1950 حتى سنة 1954، وبعد حصوله على ديبلوم الإجازة في العلوم السياسية، التحق بمدرسة لندن للإقتصاديات والعلوم السياسية التابعة لجامعة لندن التي درس بها في الفترة الممتدة من سنة 1954 حتى سنة 1957، حيث حصل على الدكتوراه في العلوم الاقتصادية والعلاقات الدولية، ثم التحق بعد ذلك بكلية الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط التي شغل بها منصب أستاذ محاضر.
شغل الفقيد عدة مناصب من بينها مستشار أول في الوفد الدائم للمغرب بهيئة الأمم المتحدة في الفترة الممتدة من سنة 1958 حتى سنة 1959، ومدير عام للتلفزة المغربية من سنة 1959 حتى سنة 1960، وكأستاذ محاضر وباحث بمركز الدراسات الدولية التابع لجامعة لندن سنة 1970، كما شغل الفقيد عدة مناصب دولية عليا بمنظمة اليونسكو وبهيئة الأمم المتحدة، حيث شغل باليونسكو: رئيس مصلحة افريقيا من 1961 حتى 1963، مدير ديوان المدير العام من 1963 حتى 1966، نائب المدير العام للعلوم الإنسانية والإجتماعيات والثقافة من 1966 حتى 1969، نائب المدير العام للبرمجة والمتسقبليات من 1971 حتى 1975، مستشار خاص للمدير العام من 1975 حتى 1976، وشغل أيضا المناصب التالية: منسق لمؤتمر التعاون التقني بين الدول الإفريقية الذي انعقد بنيروبي سنة 1980 خلال الفترة ما بين 19791980، خبير خاص بالأمم المتحدة للسنة الدولية للمعاقين ما بين 1980-1981، مستشار مدير مكتب العلاقات بين الحكومات للمعلوميات بروما من 1981 حتى 1985، مستشار الأمين العام للأمم المتحدة لمحاربة استهلاك المخدرات سنة 1990، إضافة إلى ذلك شغل الفقيد في الجمعيات الدولية أو الإقليمية أو القطرية مناصب علمية رفيعة متعددة ومتنوعة. حصل المرحوم سي المهدي على عدة جوائز وأوسمة أذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر: جائزة الدب الفرنسي في جامعة كورنيل (1953)، جائزة العلاقات الدولية عن مدرسة لندن للاقتصاديات (1955)، وسام الاستقلال لدولة الأردن (1960)، وسام ضابط للفنون والآداب بفرنسا (1976)، جائزة الحياة الاقتصادية بفرنسا (1981)، الجائزة الفضية الكبرى للأكاديمية المعمارية بباريس (1984)، وسام الشمس المشرقة باليابان (1986)، جائزة السلام (1990) عن معهد ألبرت أينشتاين الدولي.
ناضل الفقيد طوال حياته في نكران للذات نصرة للقضايا العادلة لدول العالم الثالث من أجل تحرر الجنوب من هيمنة وغطرسة الشمال ، ومن أجل أن يتحرر الجنوب أيضا من أسباب تخلفه التي هي في نفسيته وتكوينه، فكان صوتا مجلجلا شرقا وغربا شمالا وجنوبا لا يكل ولا يمل في فضح نفاق الغرب وخُرافة التعاون الدولي، وفي كشف عورات الديكتاتوريات وكل خارقي حقوق الناس وقاهري المستضعفين، وفي نفس الوقت كان رجلا حرا لا يعبد أحدا غير الله، منفتحا ومعتدلا يقف بالمرصاد لكل مظاهر التعصب والتطرف والتزمت سواء في دول العالم الثالث أو الدول الغربية.
قضى الفقيد جزءا كبيرا من حياته من أجل  بناء مغرب عربي موحد، وكان صوتا تحرريا بما في الكلمة من معنى، صوت لا تحده الحدود المصطنعة للدول، فمثل الحركة التحررية المغربية كما مثل أيضا جبهة التحرير الجزائرية، ونسق وتعاون أيضا مع الحركة الوطنية خلال مراحل الاستعمار الفرنساوي، فكان صوته يصل إلى أعلى المنابر العالمية بالولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا وفرنسا وغيرها من المنابر الأخرى التي كان يسعى الوطنيون لإيصال صوتهم إليها من أجل إقناع الرأي العام الدولي بضرورة دعم طموحات شعوب المغرب العربي للتحرر من ربقة الاستعمار البغيض.
وخلال حرب الخليج الأولى كان الفقيد قلما حارقا مدويا وصوتا مجلجلا لفضح أضاليل وألاعيب الغرب وجميع حلفائه، من خلال كتابة العديد من المقالات وإنجاز العديد من الحوارات والأحاديث وتوجيهه للعديد من الراسائل والبرقيات لجميع المنظمات والهيئات الدولية، وعندما أدرك حجم المؤامرة على العراق وأبعادها الخطيرة التي لم يسبق لها نظير على العالمين العربي والإسلامي كفر كفرا لا رجعة فيه بالمنظمات الدولية وقدم استقالته من العديد من الهيئات العالمية احتجاجا على المحرقة الجماعية التي قادها الأمريكان وحلفائهم من الغربيين والأعراب الخونة وعملاء الأمريكان من العراقيين على دولة وشعب العراق.
إن الذي يحز في النفس فعلا ويترك غصاصة ومرارة ما بعدها مرارة في القلب هو التجاهل المتعمد الذي وُوجِه به رحيل هذا الصرح المغربي الكبير رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه، في حين كانت حشود الجهال والرعاع تتسابق على الكرة والمغنيات الكاسيات العاريات، وعلى جموع الشواذ من اليهود والنصارى الذين دوخوا الرؤوس الفارغة لفئة لا يُستهان بها من (الناس) بخردة التكنولوجيا من سيارات وهواتف نقالة وأنترنت ومسابقات الربح السريع وغيرها من المخدرات التي تضبع الشعوب وتتركها فريسة سهلة لجميع الاختراقات القاتلة.
من أهم مؤلفات الفقيد:
-نظام الأمم المتحدة : تحليل 1973
-من المهد إلى اللحد، طبعة أولى القاهرة مصر 1981، طبعة ثالثة النجاح الجديدة الدار البيضاء المغرب 2003،
-الحرب الحضارية الأولى مستقبل الماضي وماضي المستقبل، منشورات العيون الرباط المغرب 1991،
-القدس العربي رمز وذاكرة، طبعة أولى مطبعة وليلي مراكش المغرب 1996، طبعة ثالثة مطبعة النجاح الجديدة الرباط المغرب 2002،
-حوار التواصل، منشورات شراع طنجة المغرب 1996، طبعة عاشرة مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء المغرب 2004،
-مسار الكفر، حوارات مع حسن نجمي ومحمد بهجاجي، منشورات وليلي مراكش المغرب1997، طبعة رابعة مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء المغرب 2003،
-عولمة العولمة، منشورات الزمان المغرب 1999،
-انتفاضات في زمن الذلقراطية، منشورات البوكيلي القنيطرة المغرب 2002،
-الإهانة في عهد الميغاإمبريالية، طبعة أولى 2004، طبعة ثانية مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء المغرب 2005،
-قيمة القيم، طبعة أولى 2007، طبعة ثانية مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء المغرب 2007.
وفي الأخير، هذه مقدمة لكتاب الحرب الحضارة الأولى مستقبل الماضي وماضي المستقبل الذي من الواجب على كل عربي ومسلم أن يقرأه قبل أي إنسان آخر:
إهداء:
"أهدي هذا الكتاب لأرواح ضحايا جميع الشعوب، من جميع الأجناس، ومن جميع الثقافات، ومن كل فصيلة وعمر، ومن جميع الأزمنة، الذين سقطوا أو عانوا ماديا أو معنويا من تحرشات وعنف المدنيين والعسكريين، الناتجة عن اللامبالاة والشطط في السلطة لانتهاك الحريات المدنية، وفرض هيمنة ثقافية واجتماعية قطرية أو دولية، تهدف للحد من التعددية السياسية، وتحول دون التنوع الثقافي.
أهديه لذاكرة 350.000 قتيل، من بينهم ما بين 200.000 إلى 250.000 قتيل فعلي، وما بين 100.000 و150.000 مهددون بالقتل خلال السنة المقبلة، و700.000 جريح، وأهديه أيضا إلى أزيد من مليون طفل وبالغ، يشكون من معوقات شتى من جراء الإبادة الناتجة عن الحرب العالمية الأولى حقا (حرب الخليج الأولى)، والتي واجه فيها بلد واحد يضم 17 مليون نسمة، كثلة مكونة من 37 دولة تضم قرابة 1500 مليون نسمة، ومُقَادة من طرف جحافل الدمار المتجسدة في ثلاث قوى غربية أعضاء في مجلس (الأمن)،
أهدي هذا الكتاب أيضا لمستقبل الذاكرة الجماعية للإنسانية التي لا يمكنها أن تنسى بتاتا، ولجميع المدافعين عن السلام".
المهدي المنجرة

الرباط، يونيو 1991

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق