عملية 'شِيخِينَا' الصهيونية والاستيلاء على نفط الشرق الأوسط

تفاديا لحظر محتمل على تزويد الصهاينة بالنفط من قبل حلفاءهم الغربيين خاصة الأمريكان في حال وجد الغرب نفسه مضطرا للقيام بذلك تحت ضغط الرأي العام بشكل كبير لوضع حد للعنصرية والهمجية الصهيونية ضد الفلسطينيين، مما كان سيشكل في حال حدوثه ضربة قاسمة للآلة الحديدية لهذا الكيان المصطنع والمعتمد اعتمادا كليا على النفط، وضع الصهاينة منذ ستينيات القرن الماضي خططا مفصلة للاستيلاء بالقوة على مصدر بديل للنفط، ولأسباب جيوستراتيجية تجلت في تخوف الصهاينة من ردة فعل قد تعصف بمستقبل الدولة العبرية من طرف البريطانيين والأوروبيين والروس الذين كانت لهم استثمارات ضخمة في الشرق الأوسط، فكان لا بد من وضع هذه الخطط في الثلاجة إلى حين.
ولم يستلهم الصهاينة هذا الدرس سوى من أكبر حلفاءهم الأمريكان، عندما قام روزفلت سنة 1941 بفرض حظر كلي على تزويد اليابان بالنفط، مما لم يترك لليابانيين خيارا آخر غير الدخول في مواجهة مع أكبر قوة عسكرية في العالم عملا بمقولة 'قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق'، وجاءت الضربة التي قصمت ظهر البعير عندما قام سلاح الجو الياباني تحت قيادة الأدميرال 'ياماموتو' بقصف قاعدة 'بيرل هاربر' على المحيط الهادي، وأدى هذا الهجوم الذي كان مباغثا للأمريكان إلى تدمير أو إلحاق أضرار كبيرة ب18 مبنى من المباني العسكرية من أصل 96 المتواجدة في جزيرة 'أواهو'، وإغراق 8 بوارج وإلحاق أضرار ب 12 من البوارج الأخرى، كما تم أيضا خلال هذا الهجوم تدمير 188 طائرة و إتلاف 159 طائرة أخرى، إضافة إلى تدمير  ثلاثة طرادات وأربع مدمرات، أما من ناحية الخسائر البشرية  فقد قُتل من الأمريكان 2235 من مشاة البحرية والجنود وجُرح منهم 1143، ولقي مصرعه  68 مدنيا  وجُرح 35 آخرون، بينما كانت خسائر اليابانيين جد محدودة مقارنة بالخسائر الفادحة والمروعة للأمريكان، بحيث فقد اليابانيون 29 طائرة  وخمس غواصات صغيرة فقط، وهذا درس بليغ في كيفية شن حرب خاطفة كالتي طبقها الجيش الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، والتي تعتمد بالأساس على عنصر المفاجأة مع إلحاق أكبر قدر من الخسائر بقوات العدو، بالإضافة إلى التأثير على معنويات الجنود الذين سرعان ما يفقدون بوصلتهم وصوابهم وينهارون كما تتداعى قطع الدومينو بالتتالي.
وعندما أصبحت الظروف الجيوستراتيجية مواتية (انهيار الاتحاد السوفياتي، نبذ النظام العراقي الحاكم آنذاك من طرف الغرب)، عقد الصهاينة العزم على شن اعتداء مباغث على جنوب العراق لإحكام السيطرة على حقوله النفطية، واستخدام خط أنابيب نقل النفط العربي 'التابلاين' لضخ النفط إلى مصافيها في حيفا، وتم إطلاق اسم عملية 'شِيخِينَا' على هذا الغزو،  و'شيخينا' حسب التلموذ هو مصطلح يعني حرفيا مكان الإقامة أو روح الله.
وفي سبيل تحقيق هذا الهدف أنفق الصهاينة أموالا طائلة بسرية تامة لترحيل مواطنين عراقيين من جنوب العراق ومن شمال السعودية حتى تمهد الأرضية المناسبة لعمليتها، فكل تلك الأمول التي أُنفقت لا قيمة لها إذا استطاع الصهاينة أن يستقروا في جنوب العراق  ويتحكمون حينذاك ليس فقط بحقول النفط الضخمة جنوب العراق بل بمفترق طرق نفط الشرق الأوسط بأكمله وعلى مقربة من الكويت وإيران.
كان من المقرر أن تدخل عملية 'شِيخِينَا' حيز التنفيذ يوم 2 تشرين أول سنة 2001، وهو أول يوم عطلة يهودية تمتد لسبعة أيام، وهنا تظهر العبقرية الصهيونية في عنصر المفاجأة الذي استخدمته دائما وأبدا، لأن التوقيت يبدو مستبعدا من طرف الجميع في ظل العطلة اليهودية، كانت عملية 'إسرائيل' هذه تدخل في إطار المخطط الصهيوني لتحقيق حلم 'إسرئيل الكبرى' الساعي إلى تأمين حدودها الممتدة من ساحل البحر الأبيض المتوسط ونهر النيل غربا إلى نهر الفرات شرقا، والهيمنة بشكل كامل على تقاطع طرق التجارة العالمية التقليدية وطرق شحن النفط العالمية بما فيها قناة السويس والخليج العَربي أو سموه كما شئتم كل حسب انتماءه.
 وبالرجوع بالتاريخ إلى الوراء، كان حتى سنة 1946 خطان من الأنابيب يزودان المصافي في حيفا بالنفط، الأول بقطر 254 ملم ويمتد مباشرة من العراق إلى فلسطين، والثاني بقطر 406 ملم ويمتد من العراق إلى فلسطين عبر الأراضي الأردنية، بالإضافة إلى وجود خط أنابيب ضخم بقطر 762 ملم يمتد من البحرين والسعودية إلى فلسطين وهو مايسمى ب 'التابلاين'، وفي حالة نجاح عملية 'شيخينا' سيكون الصهاينة قادرين على اكتساح فلسطين والأردن والعراق مستخدمين المصافي الموجودة حاليا وخطوط نقل النفط لتغطية احتياجات آلياتهم الحربية، وعندما يتم دحر هذه البلدان ويستثب الأمر للصهاينة سوف يفرضون عمولة ضخمة على خط 'التابلاين' القادم من البحرين والسعودية بالإضافة إلى رسوم باهضة لاستخدام مصافيها في حيفا.
غير أن توقف أشغال خطي أنابيب النفط بقطري 254 ملم و 406 ملم، واندلاع القتال من جديد أرغم الصهاينة على التخلي مؤقتا عن المضي قدما في مشروعهم التوراثي 'إسرائيل الكبرى'، وكان عليهم تحمل أعباء نقل معظم نفطهم عبر الخليج العرَبي، وهي مسافة تزيد حوالي 5000 ميل بحري في الطريق إلى الأسواق، وذلك بالرغم من استمرار تدفق النفط عبر خط أنابيب صغير من العراق إلى طرابلس شمال لبنان عبر سوريا، والذي لا يحمل سوى كميات محدودة من النفط، لذلك كانت الحاجة ملحة لإنشاء خط أنابيب 'التابلاين' سنة 1950 وبصعوبة بالغة عبر هضبة الجولان بالأراضي السورية ثم عبر شمال فلسطين قبل أن يصل إلى ميناء صيدا بجنوب لبنان.
لقد شعر الصهاينة بعد إنشاء هذا الخط بأنهم سُلبوا حقهم الشرعي التاريخي لتحقيق 'إسرائيل الكبرى'، فانتقموا من العرب باعتداء مفاجئ ومباغث على القوات الجوية العربية سنة 1967، وموسعين حدود 'إسرائيل' لتشمل لأول مرة هضبة الجولان السورية شمالا وسيناء المصرية جنوبا، وكان باستطاعة الصهاينة الاستمرار في التوسع بدون رادع واكتساح معظم أراضي العرب لولا تحرك الرأي العالمي آنذاك، وبهذا أُسدِل الستار عن حقبة تاريخية كانت كل حروبها يشتعل سعيرها من أجل الموارد الطاقية، وهكذا أصبح خط الذهب الأسود 'التابلاين' منذ افتتاحه سنة 1950 وللمرة الأولى يمر عبر الجزء الذي احتله الصهاينة من هضبة الجولان وليس عبر الأراضي السورية التي أصبحت اليوم محجا من كل فج عميق لمن يسموا أنفسهم ب'المجاهدين' الذين سواء دروا أو لم يدروا قدموا خدمات عظيمة لا تقدر بثمن للصهاينة وأمريكا في تدمير جميع البنى التحتية السورية وتحجيم القدرات العسكرية لهذا البلد في مواجهة المشروع الصهيوأمركي لمنطقة الشرق الأوسط، أما غزو الأمريكان للعراق واحتلالهم وتدميرهم لجيش ومقدرات وخبرات هذا البلد فقد تُوج بتأمين إمدادات النفط بشكل دائم لبلاد العم سام وتمتيع شركاته بالأسبقية والأفضلية في الحصول على العقود النفطية، وقبل الرحيل أو التظاهر بالرحيل وضع اليهود من صانعي الدسائس وقاتلي الأنبياء والرسل عن قصد تحت إشراف الأمريكان دستورا ملغما ومدمرا لوحدة الشعب العراقي وتلاحمه، كتبه اليهودي الموسادي 'نوح فيلدمان' الذي كتب أيضا دساتير كل من إفغانستان كرزاي ومصر ما بعد مبارك،  وأقره رئيسه المباشر العلج الصليبي الذي كان يعتبر حاكم الأمريكان في العراق 'بول بريمر'، وما زال العراق إلى يومنا هذا يعاني من آثاره وتبعاته التدميرية والمقوضة لوحدة العراق بشكل جد خطير، ومن المهازل الكبرى لدستور اليهودي 'فيلدمان' أن يُصبح كردي رئيسا للعراق العربي الأصيل للأسف الشديد، الشيء الذي طمأن وأراح 'إسرائيل' التي أضحت مرتاحة اليوم  بالشرق الأوسط أكثر من أي وقت مضى، فأقبرت عملية 'شِيخِينَا' إلى حين، بينما تحصن باقي العرب المسلوبي الإرادة والقرار تحت سقف جامعتهم العربية المتداعي وهم يرددون في قرارة أنفسهم: "يا ويلتنا !!! لَقَدْ أُكِلْنَا يوم أُكِلَ الثور الأبيض". 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق