حمل ثقيل في الدنيا وفي الآخرة

لاَ تَظْلِمَــــــنَّ إِذَا مَا كُنْتَ مُقْتَدِراً     فَالظُّـلْمُ مَرْتَعُهُ يُفْضِي إِلىَ النَّــدَمِ
تَنَــــــــــــامُ عَيْنــَاكَ وَالْـمَظْلُــومُ مُــنْـــــــتَـــبِـهٌ     يَدْعُو عَلَيْكَ وَعَيْنُ اللهِ لَمْ تَـــــنَـــمِ
                                                           الإمام علي عليه السلام
في قمة مجد العرب وعنفوانهم بالأندلس السليبة، شيد أحد الأمراء قصرا فخما لا يضاهيه قصر آخر جمالا وروعة وتصميما، وبعد مكوثه به زمنا قصيرا اتجهت رغبته إلى توسيعه سعيا وراء التملك والاستمتاع وطلبا للدنيا، وطالب الدنيا كشارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا كما جاء في كليلة ودمنة لابن المقفع، وكانت هذه التوسعة تقتضي الاستيلاء على حقل مجاور للقصر توارثه منذ القدم أفراد أسرة من الناس المستضعفين، وكان هذا الحقل بالنسبة لهم يعتبر تراثا مـجيدا لا يبغون به بدلا بالغا ما بلغ، لذا وهبوه لأرملة من الأسرة تقطن فيه، فلما طُلِب منها التنازل عنه رفضت بكل إباء وشرف، غير أن الأمير لم يأبه لرفضها ولم يعرها أي اهتمام في سبيل تحقيق رغباته التي لا تنتهي، فأخذ الأرض غصبا عنها وشيد عليها جناحا كبيرا ألحقه بقصره الفخم الذي بناه على جماجم المستضعفين.
رفعت الأرملة المغلوبة عن أمرها قضيتها إلى قاضي القضاة بالمدينة، غير أن هذا الأخير لم يستطع أن ينتصف لها في الحال لتهيبه من ردة فعل الأمير التي قد تعصف بمستقبله أو حتى بحياته، إلا أنه اعتزم أن يتحين الفرصة المواتية لتوجيه نظر الأمير إلى ما اقترفه من إثم واعتداء وظلم صارخ، وذات يوم بينما كان الأمير  يتجول في الحديقة التي أنشأها حول الجناح الجديد، هرول قاضي القضاة إليه وجثا بين يديه متوسلا أن يسمح له بملء كيس من تراب الحديقة كي يأخذه معه، فلما أذن الأمير بذلك، ملأ القاضي الكيس وحاول أن يحمله فعجز، فالتمس من الأمير أن يُعينه على حمله، عندئذ خطر للأمير أن القاضي يمازحه فضحك، ثم مال على الكيس ليرفعه، ولكنه ألفاه ثقيلا فألقاه على الأرض.
التفت قاضي القضاة إلى الأمير وقال له:" أرأيت يا مولاي، كيف أنك لم تُطِق حمله، مع أن كل ما فيه ليس إلا جزءا يسيرا جدا من أرض هذه الأرملة!، فتخيل يا مولاي حالتك إذا وقفت بين يدي الله في يوم الدين، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، يوم الدين الذي يتساوى فيه الغني والفقير، يوم يُسْأل كل إنسان عن الصغيرة والكبيرة، ثم يُحصى عليه ما قدمت يداه من خير يُثاب عليه أو شر يُجزى به، فإذا كنت الآن عاجزا عن حمل جزء من هذه الأرض، فكيف حالك إذا طُولبت يوم الحساب بحمل أوزارها جميعا؟؟؟".
فاتعظ الأمير بنصيحة القاضي وأعاد الحقل للأرملة بما عليه من المباني الجديدة كي يكفر عن ظلمه وخطيئته. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق