أعظم المسافرين

 
لا تحقرن أحدا من خلق الله
ركب أحد النحاة سفينة فالتفت إلى الملاح وسأله بخيلاء وصلف واستعلاء: هل قرأت شيئا من النحو؟ أجاب الملاح: لا، فقال النحوي: ضاع إذاً نصف عمرك هدرا، فلما سمع الملاح هذا الكلام صار كسير القلب جراء التحقير الذي جرى له، غير أنه كظم غيضه وصام عن الجواب، وبعد مدة طويلة ألقت الريح بالسفينة في دوامة، عندها نطق الملاح مخاطبا النحوي: هل تعرف شيئا من السباحة؟ أخبرني، أجاب النحوي: لا ياحسن الجواب ويا حلو المحيا، قال الملاح: كل عمرك إذاً ضاع هدرا أيها النحوي، ذلك أن السفينة غارقة لا محالة .

نصيحة الجاهل كبذر البذور في الأرض البور
صاد أحدهم بمكره وفخه طائرا، فقال له الطائر: أيها السيد الهمام! لقد التهمت في حياتك الكثير من البقر والشياه، وذبحت كأضحية الكثير من الغنم والجمال، لكنك لم تشبع منها في وقت ما، ولن تَرْوِ غليلك ولن تشبعك أعضائي الضئيلة هذه، أطلق سراحي حتى أقدم لك ثلاثة نصائح، وحتى تعلم أذكي أنا أم أبله، سوف أقول لك أولى النصائح وأنا في قبضة يدك، وثانيها أقولها لك وأنا فوق جدارك الطيني هذا، أما النصيحة الثالثة فسأقولها لك وأنا فوق الشجرة، ولسوف تكون سعيدا مسرورا بهذه النصائح الثلاث، وهاك النصيحة التي ينبغي أن أقولها وأنا في يدك: لا تصدق من أحد محالا، وعندما قال له هذه النصيحة وهو على كفه، أطلقه فانطلق إلى ذلك الجدار، فقال النصيحة الثانية: لا تأسف على ما فات، وما دام قد فات فلا تتحسر عليه، ثم أضاف: إن هناك درة يتيمة وزنها عشرة دراهم مخفية في جسمي، لقد كانت هذه الجوهرة إقبالا لك وحظا لأولادك بحق روحك، وقد أضعتها فلم تكن رزقا لك، وليس هنالك مثيل لتلك الدرة في الوجود، فأخذ الرجل ينوح ويولول وكأنه امرأة أتاها المخاض، عندها قال له الطائر: ألم أنصحك بألا تأسف عما فات؟، وما دام قد فات ومضى فكيف تحزن؟، فإما أنك لم تفهم النصيحة وإما أنك أصم، أو لم أقل في النصيحة الأخرى: لا تصدق أبدا القول المحال، إن وزني كله لا يصل إلى ثلاثة دراهم أيها الأسد، فكيف يكون في جسدي ما وزنه عشرة دراهم؟، فانتبه الرجل ثانية وقال: هيا، قدم لي النصيحة الثالثة الطيبة، فرد الطائر: أجل، لقد عملت بالنصيحتين الأخريين، حتى أقدم لك النصيحة الثالثة بالمجان، إن تقديم النصيحة للجهول النائم هو بمثابة بذر البذور في الأرض البور، وإن فتق الحمق والجهل لا يقبل الرتق، فقلل بذور الحكمة فيها أيها الواعظ.
شقاء الناس وتعاستهم من أنفسهم
في زمن قحط كان كل الناس فيه باكين إلا زاهدا كان فيه ضاحكا، فقالوا له: أي موضع للضحك هذا ولقد قطع القحط قلوب المؤمنين؟، لقد صرفت رحمة الله عينها عن النظر إلينا واحترقت الصحراء في الشمس الحارقة، ويبست المزارع والبساتين والكروم ولا قطرة ماء على الأرض لا أعلاها ولا أسفلها، والخلق يموتون من هذا القحط والعذاب بالعشرات كالأسماك حين تبتعد عن الماء، إنك لا تشعر بالرحمة اتجاه المسلمين، في حين أن المؤمنين إخوة وجسد واحد بشحمه ولحمه، إذا تألم عضو واحد من هذا الجسد تألمت بقية الأعضاء، سواء كان ذلك في وقت السلام أو عند احتدام القتال.
 فرد الزاهد: إنه يبدو لكم قحطا، لكن هذه الأرض تبدو أمام عيني كالجنة، وفي كل واد وفي كل مكان أرى السنابل المتكاثفة وقد وصلت حتى أواسط أجسادنا، وأرى تلك السنابل متموجة من رياح الصبا والصحراء ملأى وأكثر خضرة من نبات الكراث، وأنا ألمسها بيدي مجربا وأراها بعيني، فكيف إذن أقتلع عيني ويدي؟؟، إنكم أعوان فرعون الجسد أيها القوم الأدنياء، ومن هنا يبدو لكم النيل دما، فتحولوا إلى أعوان موسى العقل على وجه السرعة، حتى لا يبقى ما في النهر دما وترون ماءه، إنك تحس ببعض الجفاء اتجاه أبيك، فيبدو لك ذلك الأب كلبا، وذلك الأب ليس كلبا بل هو تأثير الجفاء، بحيث يبدو عطفه للنظر من صفات الكلاب، لقد كان إخوة يوسف يرونه ذئبا أمام أعينهم، ما داموا كانوا ينظرون إليه بعيون الحسد والكراهية، إنك عندما تصالحت مع أبيك وذهب الغضب، مضى عنك ذلك الكلب وصار أبا شديد العطف والمحبة.
الطِّيبُ للطيبين والخُبْثُ للخبثاء
حل كناس بسوق العطارين فسقط مغشيا عليه من أريج الروائح الطيبة، فبدأ الناس يتقاطرون عليه ويرشونه بماء الورد ويعطرونه بالمسك، غير أن حالته لم تزدد إلا سوءا، حتى حل بالمكان أحد الكناسين، فأتى بقطعة من خراء يابس للكلاب وجعلها لينة ثم حكها بأنفه فعاد إليه وعيه وقال يا لها من رائحة طيبة، ولما استفاق الكناس المغمى عليه، بدأ الناس يعجبون ويقولون يا لها من رقية عجيبة تلك التي تلاها في أذن المغمى عليه فأفاق للحظته، غير واعين أنه عالج فسادا بفساد، وهكذا فكل الأدواء الفاسدة في كل العصور لاتزيد عن فضلات الكلاب التي يطرحها أولئك المحتالون على العقول الفاسدة فتندهش منه وتتعجب، وكم من الأفكار المسمومة و (الفنون) الساقطة تجد لها جماهير من المغيبين عقليا، ويكون انتشارها دليلا على سحرها دون أن يكلف المرء خاطره بأن يسأل عن كنهها، وهكذا تكون حركة أهل الفاسد.
والذي يحيا في الدنس ويعتاد عليه ويكون كيانه قائما بالفساد لا حياة له إلا به، ولا يقتصر هذا على الأفراد بل حتى على الدول والأنظمة، فالدول التي تكون قائمة على الفساد والنهب تظل باقية ما دام الفساد والنهب قائما فيها، وتظل تتردى من فساد إلى فساد أعظم حتى يقتلها ويُرديها نفس الفساد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق