فولتير: التعصب مرض عقلي يُعدي كالجذري

التعصب جنون ديني كئيب فظ، وهو مرض يُصيب العقل ويُعدي كما يُعدي الـجُذَري، وتنقله الكتب أقل مما تنقله الاجتماعات والخُطَب، إذ من النادر أن يحتد المرء وهو يقرأ لأن أعصابه تكون هادئة، ولكن حينما يخطب شخص متحمس ذو خيال قوي في أناس ذوي عقول ضعيفة، فإن عيناه تقذف النار التي تدب في السامعين، كما تؤثر حركاته ونبراته في أعصابهم، ويصيح الخطيب إن الله يراكم فجاهدوا في سبيله، فيذهبون ويجاهدون.
والتعصب إذا قورن بالإيمان بالخرافات كالهذيان إذا قورن بالحمى وكالغيظ إذا قورن بالغضب، وثمة متعصبون باردو الأعصاب، وهم القضاة الذين يحكمون بالإعدام على من لا جريمة لهم سوى أنهم لا يفكرون على شاكلتهم، وهؤلاء القضاة يزيد في إجرامهم وفي كراهيتهم أنهم لا يصدرون أحكامهم وهم في ثورة الغضب، وهم لذلك أقرب إلى الاستماع إلى صوت العقل.
وليس من دواء لهذا الداء المقيم إلا الفكر الفلسفي، الذي إذا انتشر من جهة إلى أخرى أدى إلى تلطيف أخلاق البشر وهدأ من حدة المرض، إذ على المرء أن يهرب حينما يستشري هذا الداء وينتظر حتى يطهر الجو، فلا القوانين ولا الدين كافية لمحاربة هذا الطاعون الذي يُصيب الأنفس، فالدين ينقلب سما ناقعا في الأدمغة المصابة بالتعصب عوض أن يكون بلسما لها، والقوانين عاجزة كل العجز إزاء هذا السعار، والمتعصبون مقتنعون بأن روح القدس قد حل فيهم وهو فوق القوانين، وليس من قانون إلا حماسهم واندفاعهم، فما الذي يمكن قوله لرجل يقول إنه يفضل طاعة الله على طاعة البشر، فهو واثق من دخول الجنة حين يذبحك ويذبحني.
إن الفلسفة تُضفي على النفس السكينة، والتعصب على طرفي النقيض مع السكينة، والمتعصبون لا يحاربون دوما في سبيل الله، ولا يغتالون دوما الملوك والأمراء، وكل متعصب مكار هو مخلوق لا وجدان له، وهو أيضا قاتل يغتال بحسن نية في سبيل قضية يظنها عادلة.
فنحن في هذا العالم تحت إدارة سلطة خفية قوية، كأننا دجاج وضع في أقفاص مدة من الزمن قبل أن توضع على السفود، ولن يفهم الدجاج مطلقا أي نزوة جعلت الطباخ يضعه في الأقفاص، وإني أراهن لون أن هذا الدجاج يفكر ويعقل ويبني نظاما فلسفيا أساسه أقفاصه، فإنه لن يوجد بينه من يحرز أنه إنما وُضِعَ في الأقفاص ليُؤكل، وإن جلالتكم لعلى حق في السخرية من الحيوانات ذوات القائمتين التي تظن أنها تعرف كل شيء.
يُحكى أنه كان في القرب درويش شهير يقال أنه خير فيلسوف، فذهب  بانجلوس لاستشارته وقال: "يا أستاذي، جئنا نرجوك أن تقول لنا لماذا خُلِق حيوان غريب كهذا الإنسان"، فأجابه الدرويش: "ولم تتدخل فيما لا يعنيك؟، هل هذا من شأنك؟"، فقال كانديد: "ولكن يا سيدي، إن على الأرض لشرا كثيرا !!"، فرد الدرويش: "وماذا يهم أن يكون عليها شر أو خير، هل ترى السلطان يجشم نفسه مشقة التفكير فيما إذا كانت الفئران الموجودة على السفينة على ما يرام أم لا؟"، فقال بانجلوس: "وما الذي يجب عمله إذاً"، أجاب الدرويش: " أن تسكت".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق