أيام الأرض العصيبة


عالم يفيض بأكثر من 7 ملايير و 250 مليون من الأنفس الهائمة على وجوهها، أنفس تبدو كلها سكرانة وما هي بسكرانة بأحلام السلطة، وأحلام الإخضاع، وأحلام حب التملك والاكتناز إلى ما لا نهاية للخردة الرخيصة من مبتكرات التكنولوجيا، على طرقات العالم تتسكع في هذه اللحظة ما يفوق مليار ونصف سيارة، مليار ونصف من الأحلام الكيلومترية، مليار ونصف من أحلام العظمة والتبجح والتباهي، مليار ونصف من أحلام الوجود الفارغ الفاني والخواء الوجداني، في بحث محموم عن السعادة المفتقدة البعيدة المنال، مليار ونصف مرة من السخافة والتفاهة والعبث والهوس الكمي.
غير أن الحقيقة المزعجة التي لا يريد أن يلتفت إليها  الكثيرون من هؤلاء السكارى هي العواقب الخطيرة والوخيمة لهذا الهوس الكمي على استمرارية الحياة بشكل طبيعي على كوكب الأرض، ويأتي فيلم 'مطاردة الجليد' كي يدق ناقوس الخطر بهذا الصدد، وهو فيلم وثائقي أمريكي تم إنتاجه استنادا إلى مغامرات بالقطب الشمالي للكرة الأرضية من طرف أعضاء فريق للمسح الجليدي، تم تقديم الفيلم في مهرجان 'صندانس' عام 2012 وفاز بجائزة أفضل تصوير سينمائي، والغرض من هذا الفيلم الوثائقي هو إظهار واقع ظاهرة الاحتباس الحراري وتأثيرها على تراجع الأنهار الجليدية، وقد كانت الصورة بالتأكيد أفضل الطرق لرفع مستوى الوعي لدى عامة الناس بمدى خطورة المشاكل الناجمة عن ظاهرة الاحتباس الحراري، ومن تم العمل إن أمكن ذلك على اتخاذ الخطوات الضرورية للتصدي لها قبل فوات الأوان، وهو شيء لن يتحقق حسب ظني في ظل الهيمنة التامة للرأسمالية المتوحشة التي تضرب بأطنابها الأركان الأربعة من الكرة الأرضية بيهودييها ومسلميها ونصاراها وبودييها وهندوسييها وملحديها.
لقد كان في الأصل مخرج الفيلم المصور المحترف 'جيمس بالوج' 'James Balog'، والذي عانى الأمرين خلال إخراجه هذا الفيلم التحسيسي الذي يقطع الأنفاس، واحدا من المشككين بظاهرة الاحتباس الحراري، غير أن تتبعه لظاهرة تراجع الأنهار الجليدية خلال خمس سنوات من خلال إنتاجه صور ومقالات لأول مرة بإيسلندا  لفائدة مجلة 'نيويوركر' وأخيرا لفائدة 'ناسيونال جيوغرافيك' جعلته يغير رأيه بشأن ظاهرة الاحتباس الحراري التي وثقها توثيقا دراماتيكيا واقعيا بالصوت والصورة لما يقع من اختلالات متسارعة بالقطب الشمالي تنذر بمستقبل محفوف بشتى المخاطر لكوكب الأرض، وقد التقط خلال هاته السنوات صورا ولقطات فيديو جد مذهلة وجد مرعبة يشيب لها الولدان، وعلى مر السنوات الخمس، قام 'جيمس بالوج' ‘James Balog وفريق عمله المكون أساسا من المهندسين والمصورين والجيولوجيين بتثبيت 25 كاميرا صُمِّمت خصيصا لالتقاط صور كل نصف ساعة خلال النهار في مناخ جد قاس ذو رياح عاتية ودرجات حرارة تهبط أحيانا إلى ما دون 40 درجة تحت الصفر، وقد غطت هذه الكاميرات 13 نهرا جليديا في كل من غرينلاند، أيسلندا، ألاسكا، كندا، جبال الهملايا وجبال روكي، وتم لأول مرة التقاط صور نادرة حية مثيرة للإعجاب والأسف في آن واحد، تُظهر بما لا يدع مجالا للشك مدى تأثير ظاهرة الاحتباس الحراري على الذوبان السريع والمرعب للأنهار الجليدية بالقطب الشمالي.
قام الفريق بعمل متواصل منذ 2007 إلى غاية 2012 وقد كلل كل ذلك الجهد المتواصل والمعاناة النفسية والجســـــــــدية والألـــــــم بإنجــــاز هـــــــذا الفيلم الوثائقي الرائــــــــع من طــــــرف المخــــــــــرج 'جيـــــف أورلوفســـــكي' ‘jeff Orlowsky’، ويظهر من خلال تتبعي لهذا الفيلم  أن فريق عمل 'جيمس بالوج' ‘James Balog قد واجه عدة مشاكل فنية وتقنية وعدة أعطال في كاميرات التصوير، إضافة لمعاناة رئيس فريق العمل من الألم المبرح الذي ألم به في ركبته خلال إنجاز هذا الفيلم، غير أن كل ذلك لم يحل دون تحقيق كل الأهداف النبيلة والغير المادية التي كان يسعى إليها كل من ساهم في تحقيق هذا العمل الرائع، والذي يكفي كل ذي بصيرة أن يأخذ العبر من صوره التي تقطع الأنفاس وتهز المصارين، لأنها توضح بجلاء لا غبار عليه أن تاريخ الكرة الأرضية بدأ بالفعل يذوب، وبذوبانه صارت الكرة الأرضية قاب قوسين أو أدنى من فقدان ذاكرتها، ودخول عهد جديد مفتوح على سيناريوهات من الرعب المناخي المهول كتلك التي أنتجتها وما زالت تنتجها استوديوهات هوليود.. مناخ خارج السيطرة محفوف بشتى المخاطر والمهالك التي لم يكن من سبب لها سوى الغباء البشري.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق