في انتظار الحافلة رقم 8

أقف بعد خروجي من العمل في انتظار الحافلة رقم 8، والتي أسميها باللامتناهي  ليس لتأخر الحافلة حتى لا أجني على سائقها وإنما لكوني أمقت الزحام، وكان انتظاري يطول أحيانا لدرجة أني صرت معروفا لذى جميع الذين ينتظرون مثلي، بفارق أنهم لا يستطيعون معي صبرا في الوقوف والانتظار، ولا يجدون عن ركوبهم في الحافلات المزدحمة بديلا، فهم في عجلة من أمرهم ومتدمرون على طرف النقيض مني أنا الذي لست في عجلة من أمري و'طالق الدنيا في يد الله'، وخلال انتظاري تمر من أمام عيني مواقف وغرائب وأسمع بأذني قصصا وحكايات لو رآها أو سمع بها مؤلف ألف ليلة وليلة لولى مذعورا هاربا.
غير أن الذي أثار فضولي أكثر وتيقنت منه يقينا تاما لتكراره أمامي آلاف المرات، هو عدم رضى معظم الناس عن أنفسهم كما هم عليه، وتصنعهم لمواقف كي تظهرهم بأنهم لا يتخبطون في وحدة قاتلة وفراغ فظيع، خصوصا لدى الفتيات والنساء وقليل من الذكور وليس الرجال، فوقوف هؤلاء وحيدين دون رفقة في انتظار الحافلة أمر لا يمكنهم تحمله ويعد بالنسبة لهم عذابا أليما و'تسخسيخة' فظيعة، وكما قال الكاتب الفرنسي 'أونوريه دي بلزاك': "كلما حاولت البحث في أفعال الإنسان المختلفة وفيما يتعرض له من مخاطر ومتاعب وجدت أن شقاء الناس كله راجع إلى أمر واحد هو عجزهم عن الاعتكاف، ومن هنا جاء ولع الناس بالضجة ومن هنا كان السجن عذابا مريعا ولذة الوحدة أمر يستعصي عليهم فهمه"، ولا يخلص هؤلاء المعذبين من هذا الموقف الجلل غير الحبيب الصادق والرفيق الوفي الهاتف النقال، الذي بمجرد ما يبدأون الحديث عبره حتى تنبسط أسارير وجوههم وترتسم البسمة على شفاههم التي ما تلبث أن تتطور إلى قهقهات بصوت عال، غير أن دوام الحال من المحال، فبمجرد انتهاء المكالمة يقع هؤلاء المساكين في حيص بيص ولا يجدون شيئا يملئون به فراغهم، يالله رقم آخر 'بْلاَ بْلاَ بْلاَ بْلاَ' .. 'كِي كِي كِي كِي' حتى تصل الحافلة التي تخلصهم من المأزق الحرج الذي هم فيه، هذا ما يحدث خارج الحافلة والأمر لا يقل طرافة مما يدور بداخلها.
فبمجرد صعودي حافلة النقل الجماعي، ألاحظ الكثير من 'البراهيش' و'البرهوشات' من خريجي مدارس التسكع و'الفْتِيلْ والبْــرِيـــمْ' وهم خارج التغطية 'مبرونشيين' على الهاتف النقال على نغمات 'هز يا وز' أو موسيقى 'هَاوْ هَاوْ هَاوْ' عفوا موسيقى 'الهيب هوب' مستعملين فرادى أو ثنائي سماعات للأذنين، وآخرون منهمكون في النقر بجنون ونرفزة على مفاتيح لوحات هواتفهم النقالة كي يفوزوا في ألعاب الفيديو المتصهينة ويصبحوا أبطالا افتراضيين من القش في عالم الخيال المزين بإشهار الأراجيف والأكاذيب.
وأجول بناظري في الحافلة عسى أن أجد شخصا من أمثالي من المناضلين ضد الخضوع والانقراض، ولكن دون جدوى هذه المرة، وأثناء ذلك تثير انتباهي سيدة بدينة في مقتبل العمر لم تنقطع عن الحديث في هاتفها النقال منذ صعودي إلى الحافلة، إذ كانت تتكلم بصوت مرتفع لدرجة أنني أنا الذي كنت واقفا في مؤخرة الحافلة سمعت كل كلمة نطقت بها بينما كانت هي جالسة في المقاعد الأمامية، فاستعمال هذه الأجهزة بشكل مفرط يُصيب حتى المرء الصحيح المعافى بنقصان في السمع بل حتى بالغباء أو 'التكليخة' بالعامية المغربية، فحديثها الذي استغرق مدة زمنية طويلة لم يكن يتطرق لأمر مستعجل يستدعي استعمالها لهاتفها النقال من داخل حافلة للنقل الجماعي، لأنه بكل بساطة كان كله يدور حول الأكل ولا شيء غير الأكل والبِطنة كما يُقال تُذهِب الفِطْنة، فتذكرت يوما عندما سألني سي علي الذي تعرفت عليه في موقف انتظار الحافلة، وهو أيضا بالمناسبة من المناضلين الذي ما زال يصارع الخضوع والانقراض: "لماذا لست في عجلة من أمرك مثل الآخرين، وتبقى واقفا في الانتظار لمدة طويلة؟"، فأجبته الشطر الأول عسى يقتنع ويتركني لحالي:"إنني لا أُطيق أن أركب حافلة ممتلئة بالركاب يرفس فيها بعضهم على البعض الآخر مثل البهائم"، فنظر إلي وكأنه غير مقتنع بحجتي، الشيء الذي أثار أعصابي، فلم يكن من مناص لي أنا العنيد إلا أن أستخدم هذه المرة ترسانتي الثقيلة وأهوي عليه بالضربة القاضية، فقلت له: "شوف أسي علي، جميع هؤلاء الذين تراهم الآن أمامك في عجلة من أمرهم، بمن فيهم الراكبون سياراتهم الفارهة أو المستقلون لحافلات النقل الجماعي أو المسرعون الخطى على أرجلهم،  كلهم ذاهبون من أجل خمسة أشياء لا أقل ولا أكثر: إما للأكل، وإما للخراء، وإما للنوم، وإما للنكاح، وإما لارتكاب أخطاء جسيمة وقاتلة بحق الآخرين، وهذه الأمور كما ترى لا تستحق مني كل هذه العجلة وهذا العناء والاقتتال"، فانفجر سي علي بالضحك حتى تهاطلت دموع عينيه كالمطر وبدأ يرفس الأرض برجليه من هول ما سمع.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق