شذرات من التراث 9

*حكى أبو أيوب الجرمي فقال: قعد إلى جنب بشار بن برد رجل فاستثقله، فضرط بشار ضرطة كي يبتعد عنه الرجل، فظن هذا الأخير أنها أفلتت، ثم ضرط بشار أخرى وقال: أفلتت، ثم ضرط ثالثة، فقال الرجل: يا أبا معاذ ما هذا؟، فقال بشار: مَهْ..أرأيت أم سمعت؟، فأجاب الرجل: لا، بل سمعت صوتا قبيحا، فرد بشار: فلا تصدق حتى ترى.
*كان بشار بن برد يقول الشعر وهو صبي أعمى، فإذا هجا قوما جاؤوا إلى أبيه يشكونه فيضربه ضربا مبرحا، وذات يوم قال بشار لأبيه: يا أبت إن هذا الذي يشكونه مني إليك هو قول الشعر، وإني إن ثابرت عليه أغنيتك وأغنيت سائر أهلي، فإن شكوني إليك فقل لهم: ألم يرد في القرآن الكريم "ليس على الأعمى حرج"؟، فلما عاد القوم إلى الشكوى قال لهم برد ما أشار به ابنه بشار، فانصرفوا وهم لا يعلمون أيهما أنكى شعر بشار أم فقه برد؟!
*قال المدائني: دخل أبو دُلامة على المهدي وعنده إسماعيل بن محمد وعيسى بن موسى والعباس بن محمد ومحمد بن إبراهيم الإمام وجماعة من بني هاشم، فقال له المهدي: إني أعاهد الله لئن لم تَهْجُ واحدا ممن في البيت لأقطعن لسانك، فنظر أبو دلامة إلى القوم، فكلما نظر إلى واحد منهم غمزه بأن عليه رِضاه، فقال أبو دلامة: فعلمت أني قد وقعت، وأنها عزمة من عزماته لا بد منها، فلم أر أحدا أحق بالهجاء مني، ولا أَدْعَى إلى السلامة من هجاء نفسي، فقلت:

أَلاَ أَبْـــــلِـــــغْ إِلَيْـــــــكَ أَبَا دُلاَمَــــــــهْ      فَلَيْسَ مِنَ الكِرَامِ وَلاَ كَـــرَامَـهْ
إِذَا لَبِسَ العِمَـــــــامَةَ كَانَ قِــــرْداً     وَخِــــنْـــزِيــــراً إِذَا نَــــــــــزَعَ العِمَــــامَهْ
جَمـَعْتَ دَمَامَةً وَجَـمَعْتَ لُؤْماً     كَذَلِكَ اللُّــــؤْمُ تَتْبَعُــهُ الدَّمَـــامَهْ
فَإِنْ تَـكُ أَصَبْـــتَ نَعِيــمَ دُنْــــيَا     فَلاَ تَفْــرَحْ فَقَدْ دَنَتِ القِيَّــامَـهْ
فضحك القوم ولم يبق منهم أحد إلا أجازه.
*وقيل لأبي العيناء: ما بال الحمير إذا أحست بالرجوع إلى مرابطها، والقرب من دور أهلها، أسرعت المشي إلا حمارك، إذا اقترب من دارك تخابث في المشي؟، فقال: لعلمه بسوء الـمُنْقلـــَب.
*ذكر الهيثم بن عدي أن عبدالله بن المقفع كان يهزئ ويسخر كثيرا  من الأنف الكبير الضخم الذي لذى سُفيان بن مُعاوية بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة والي البصرة أثناء فترة حُكم الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، وكان ابن المقفع كلما دخل على سفيان قال: السلام عليكما، يعني سفيان وأنفه.
وقال له ابن المقفع في أحد الأيام وهو يسخر منه أمام الناس: ما تقول يا سُفيان في شخص مات وخلف زوجاً وزوجةً ؟؟، وقال سفيان مرة: ما ندمت على سكوت قط، فقال له ابن المقفع: الخرس زين لك فكيف تندم عليه؟!،  لذلك اغتاظ منه سفيان وكان يقول: والله لأقطعنه إربا إربا وعينه تنظر، ثم عزم على اغتياله، فجاءه كتاب أبي جعفر المنصور يأمره بقتله... فقتله، وقال المدائني في ذلك: لما دخل ابن المقفع على سفيان قال له: أتذكر ما كنت تقول في أمي؟، فقال ابن المقفع: أنشدك الله أيها الأمير في نفسي، فقال سفيان: أمي مغتلمة (عاهرة) إن لم أقتلك قتلة لم يُقتل بها أحد، وأمر بتَنُّورٍ فَسُجِّرَ، ثم امر بابن المقفع فَقُطِّعَتْ أطرافه عضوا عضوا ورُمِي بها في التنور وهو ينظر، حتى أُوتِـيَ على جميع جسده، ثم أَطْبَقَ عليه التنور وقال: ليس علي في الـمثلة بك حرج لأنك زنديق وقد أفسدت الناس.
*وُلـِيَ الشرطة بالكوفة رجل أعرج ثم وُلِـيَ الإمارة آخر أعرج وخرج ابن عبدل، وكان أعرج، فلقي سائلا أعرج قد تعرض للأمير يسأله، فقال ابن عبدل للسائل:
أَلْقِ العَصَا وَدَعِ التَّحَامُلَ وَالْتَمِسْ     عَمَــــــلاً فَهَـــــذِي دَوْلَـــةُ العُرْجَانِ
لِأَمِيــــــــرِنَا وَأَمِيــــــــــرِ شُـــــــــــرْطَتِنَا مَعـــــــاً     يَا قَوْمــــنَا لِكِـــــــلَيْهِـــمَا رِجْــــــــــــــلاَنِ
فَإِذَا يَكُــــــــــونُ أَمِــــــــــيـــــــرُنَا وَوَزِيــــــــــــــــــرُهُ     وَأَنَا فَإِنَّ الـــــــرَّابِــــعَ الشَّيْــــــــــطَـــــــانُ
*قالت امرأة تنصح ابنتها عند زفافها: اقلعي زج رمحه، فإن أقر فاقلعي سنانه، فإن أقر فاكسري العظام بسيفه، فإن أقر فاقطعي اللحم على ترسه، فإن أقر فضعي الإكاف (أي السرج) على ظهره فإنه حمار.
*قال أبو الأسود الدؤلي ينصح ابنته: كوني كما قلت لأمك في بعض الأحايين:
خُـــذِي العَفْـــــوَ مِنِّي تَـــــسْتَدِيـــمِي مَــوَدَّتـِـــي     وَلاَ تَنْطِقِي فِي سَــوْرَتِي حِـينَ أَغْضُــبُ
فَإِنِّي وَجَدْتُ الـحـُبَّ فِي الصَّدْرِ وَالأَذَى     إِذَا اجْتَمَعَا لَـمْ يَلْبَثِ الحُبُّ يَـــذْهَبُ
*قال البهاء زهير في هجوه صاحب لحية كثة منتشره حتى غطت سائر وجهه:
وَأَحْـمَقُ ذِي لِـحْيَةٍ     كَبِـــــيـــــــــــرَةٍ مُنْتَـــــشِـــــــــرَهْ
طَلَبْتُ فِيهَا وَجْهَـــهُ     بِــــــشِــــــدَّةٍ فَــــلَـــــمْ أَرَهْ
مـَـــعْـــــرِفَةُ لَــــــــــــــكِنـَّـــــــــهُ     أَصْبَـــــحَ فِيهَا نَــــكِرَهْ
يَقْسِمُ عُشْرُ عُشُرِهَا  يَكْفِي رِجَالاً عَشَــــرَهْ
كَأَنَّـــــهُ سَحَـــــــــــابـَــــةُ     فَوْقَ البِلاَدِ مُـمْطِرَهْ
*قال أحمد بن محمد الشهرستاني في قلة الوفاء والإخلاص والأمانة:
قَدْ بَلَوْتُ النَّاسَ حَتَّى     لَمْ أَجِدْ شَخْصاً أَمِينَا
وَانْتَهَتْ حَالِي إِلَى أَنْ     صِرْتُ لِلْبَيْتِ خَدِينَـــــا
أَمْدَحُ الـــــــــوَاحِد حِيناً      وَأَذَمُ الـجـَــــمْــــعَ حِــــيـــــنَا
إِنَّـمَا السَّالِـمُ مَنْ لَـمْ      يَتَّخِــــذْ خَـــلْــــــــــقاً قَـــــرِيـــنَا
خدينا : صاحبا وصديقا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق