كِــيّـة اللِّي جَاتْ فِيهْ مَسْكِينْ

المنشأة الإيمانية والتحفة التاريخية قنطرة وادي تانسيفت على المدخل الشمالي لمدينة سبعة رجال (مراكش 1900)
توطئة:
على المدخل الشمالي لمدينة مراكش الحمراء ترحب بزوارها قنطرة وادي تانسيفت المقامة على أكبر الأودية بمنطقة الحوز، وبالرغم من كون هذه القنطرة شاخت وبلغت من العمر عتيا فلا زالت تصارع الزمن وتقف كالنخلة السامقة في السماء نحو العلا، متحدية كل التحدي أعتى فيضانات وادي تانسيفت لمدة 844 سنة (ويا ما من أحداث جسام مرت على هذه القنطرة)، تم إنشاؤها إبان حكم الدولة الموحدية في عهد السلطان أبو يعقوب يوسف سنة 1170 م، وكانت مكونة في الأصل من 15 قوسا (عدد أقواسها الآن 27)، وما تزال هذه التحفة المعمارية النادرة صامدة كالطود الشامخ إلى يومنا هذا بالرغم من الإهمال وغياب الصيانة وإفراغ مخلفات البناء والقاذورات والأزبال من طرف الجهال والرعاع في فتحاتها، بينما قناطر حديثة العهد لم يمر على إنجازها حتى 5 سنـــــوات  'هزها الما وداها الريح'.
الموضوع:
في أوج الكارثة التي حلت بالمغرب أواخر نونبر 2014 بأمطارها الطوفانية التي عصفت بالبنيات التحتية المهترئة وتركتها كالعصف المأكول، و حصدت معها أيضا أرواح ما يفوق 50 شهيدا من أبناء المغرب المحكَور  المنسي وتركت ما يناهز 117.000 من المشردين بدون مأوى، أتحفت  تلفزة المغرب الثاني الحداثية المتفرنسة مشاهديها العرام عفوا الكرام بسهرة كانت بطلاتها "تلك اللائي يشربن الخمر فالبريق ديال القهوة" والفاهم يفهم، وكما يقول المثل الضارب في تاريخ المغرب "ما قدهم فيل زادوه فيلة"، إذ بمجرد انتهاء الأمطار شمر سكان المغرب الآخر من النخبة الـمتفرنسة على سواعدهم  لإحياء المهرجان الدولي للسينما بمراكش في دورته الرابعة عشرة، والذي امتد من 05 دجنبر 2014  إلى غاية 13 منه، وقد حَضَر وكُرِّمَ تكريما يليق بمقامهم العالي الأسياد الجدد من اليهود والنصارى من المخنثين والمخنثات الذين لهم الأسبقية والأفضلية والميزة القصوى في كل شيء في بلدنا،  ابتداء من الصبيب العالي للأنترنت على حسابنا نحن المغاربة وانتهاء بالحسناوات اللائي أعتبرهن عاهرات لا حسن فيهن إلا الغلاف الخارجي أما العمق فهو نتن.
وقد ضحك المتفرنسون من المغاربة لأسيادهم الجدد أمام الكاميرات حتى ظهرت نواجذهم، وهذا لعمري لشرف عظيم ويوم كبير عندهم، لكل من 'ماريو' و'إيزابيل' و'سوزان' و'آلان' و'كريستيان' و'لوران' و'بيرتن' و'جون' و'ميريل' و'بيدو' و'بيدي' وووووو....، وهذا كفيل بإقبار أي ذكر أو حديث عن سكان المغرب الأصليين المنسيين من أمثال حـَمُّو ومُوحَى والعَرْبِي والطَّاهَر وحْـمَادْ وعلي وحْسَاين ولـــَحْسَنْ والـحُسَين ومْبَارْك والدَّابَاحْسِينْ وفطومة والضاوية وهنو وعبوش والطاهرة وطامو وخدوج ورقوش ويامنة وشامة ومباركة وووووو....، الذين حاربوا ببسالة منقطعة النظير وبدون عدة ولا تداريب ولا خبرة أعتى وأشرس الفيضانات التي عرفها المغرب في تاريخه الحديث، وخاطروا بأنفسهم في ظروف غير محتملة وقاسية لإنقاد حياة  الكثير من الناس من أبناء المغرب المنسي.
فهؤلاء الناس من الطبقة المسحوقة هم الأشاوس والنشامى الحقيقيون الذين كان من المفترض تكريمهم كأبطال أسطوريين في الحقيقة المرة والواقع القاسي الذي لا يرحم، لأنهم لم يكونوا يمثلون علينا أمام كاميرات التصوير  في أستوديوهات مجهزة بآخر مستجدات التكنولوجيا والحواسيب المختصة في التأثيرات الخاصة والخدع البصرية التي تحول أجبن الجبناء  من هؤلاء المهرجين إلى أبطال أسطوريين يسير بذكرهم 'البراهيش' و'البرهوشات'، الذين لو وضعت أحدهم حتى لدقيقة واحدة في مثل الظروف المأساوية الجد القاسية التي عاشها سكان المغرب الأصليين لمدة أكثر من أسبوع لخرى وتبول في سرواله  وبكى كالطفل الصغير  من هول ما كان سيرى إن بقي على قيد الحياة، " جمعوا راسكم راه الواقع المغربي المر هذا ماشي السينما".
وكان من باب الحكمة والتعقل والمواطنة الحقة والإنسانية أيضا تأجيل أي مهرجان أو احتفال أو سهرة احتراما لأرواح هؤلاء الشهداء، وتضامنا مع المنكوبين منهم الذين يعدون بالآلاف، والذين  ما انفكوا متشبتين بخيط الحياة الدقيق الذي يمكنه أن ينقطع في أي لحظة في ظروف شتوية قاسية بلا مأوى ولا مأكل ولا مشرب، وماذا استفدنا من هذه المهرجانات التي أصبحت تنمو كالفطر على مدار السنة في كل جهات المغرب سوى تبدير الأموال العامة على من لا يستحقها بتاتا، لأن هؤلاء المهرجون أو النجوم لا يهذبون أذواق الشباب كما تدعي النخمة عفوا النخبة الفرنكفونية، بل يميعونهم ويفقدونهم أي حس مرهف وأي ذوق فني رفيع، ويصبح هؤلاء الضحايا دائخين ومشقلبين وكأن الضبع قد  تبول عليهم.
لقد خلفت هذه الكارثة ما يفوق 50 شهيدا وما يناهز 117.000 من المشردين الذين فقدوا كل شيء من الفتات القليل من حطام الدنيا الذي لا يسمن ولا يغني من جوع وبالكاد يستر عورتهم، بحيث وصل عدد المنازل التي مُحيت من الوجود 1.434 وحدة سكنية وتضررت أضرارا متفاوتة الخطورة 4.269 وحدة سكنية بحيث لم تعد هي الأخرى صالحة للسكن، لأنه من الممكن أن تتداعى في أية لحظة كما تداعت قناطر ضخمة كالبسكويت ولم يمر على إنشاءها سوى سنة أو سنتين، بينما صمدت قنطرة وادي تانسيفت الشامخة  كمشيديها من الرجال الأقحاح على مدخل مدينة مراكش الشمالي، وهذه المنشأة لا أقول الفنية وإنما أقول الإيمانية التي شيدت أيام دولة الموحدين يفوق سنها 844 سنة، ولم يبق لها إلا 156 سنة لتكمل الألف أسوة بسيدنا نوح عليه السلام، وأدعو العلي القدير أن يمد في عمرها حتى ترى القناطر الحداثية الشابة المغشوشة والمرشوشة بالرشاوي والأظرفة المنفوخة تتهاوى كما تتساقط قطع الدومينو الواحدة تلو الأخرى، حتى يتعرى ويفتضح  كل الفاسدين والمفسدين وآكلي السحت والمال الحرام. 
 كما تجدر الإشارة أيضا إلى  تقطع السبل والقناطر بما يناهز 250 قرية متضررة بسبب الفيضانات، وأضحى هؤلاء المساكين في عزلة تامة عن العالم الخارجي، بحيث حولت السيول الجارفة  أودية هذه القرى المنكوبة وأزقتها وساحاتها وبساتينها إلى طوفان مدمر من المياه والأوحال وجدوع الأشجار والأحجار. 
من جهة أخرى تبرعت المفوضوية الأوروبية بمبلغ 106.000 أورو على 1.100 عائلة ممكونة من 5.500 شخص من منكوبي الفياضانات التي هزت أركان المغرب في أواخر نونبر 2014، وذلك استجابة لنداء الاستغاثة الذي وجهه الصليب الأحمر والهلال الأحمر المغربي، وهذا مبلغ على كل حال لا يسمن ولا يغني من جوع، ويمكن لأتفه مقامر سكير من المترفين والأثرياء  أن يخسره في كازينو وعلبة ليلية في أمسية واحدة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق