أمثال شعبية مغربية 11

 الشكر موصول إلى سي مصطفى خ. الذاكرة الحية والزاخرة بالأحداث المراكشية، بالرغم من تقدمه في السن، على تزويدي بأمثال شعبية مغربية تُسمع لأول مــرة (الأمثال 1، 4، 5، 6 و7).
اللِّي حَبَّكْ مَا بْنَى لِكْ قْصَرْ، وَاللِّي كَرْهَكْ مَا حْفَرْ لِكْ قْبَرْ
سواء أحبك العالم أجمع أم كرهك العالم أجمع، فليس باستطاعة أحد مهما بلغ سلطانه وجبروته أن يُغير ولو مثقال ذرة مـما قدره الله لك في هذه الحياة الدنيا، حتى ولو اجتمعت الإنس والجن وكان بعضهم لبعض ظهيرا، وفي ذلك قال كعب بن زهير صاحب قصيدة البــردة الشهــيــرة:
فَقُلْتُ خَلُّوا سَبِيلِي لاَ أَبَا لَكُمُ      فَكُلُّ مَا قـدَّرَ الرَّحْمَنُ مَفْـعُولُ
وقال أيضا في نفس الصدد:
لَوْ كُنْتُ أَعْجَبُ مِنْ شَيْءٍ لَأَعْجَبَنَّ     سَعْيَ الفَـتَى وَهْـوَ مـخْبُوءٌ لَهُ القَدَرُ
يَسْعَـــــى الفَــــتَى ِلأُمُورٍ لَيْسَ يُـــــــــدْرِكُـهَا      وَالنَّفْـــسُ وَاحِــــــدَةٌ وَالْـهَـــمُّ مُــنْــتـَشِـــــرُ
وَالـمَــــرْءُ مَا عَــــاشَ مَـمْــــــدُودٌ لَهُ أَمَـــــلٌ      لاَ تَنْتَهِي الْعَيْــنُ حَتَّى يَنْتــَهِي الأَثَرُ
تَسَّاوْتْ دَرْسَة كْبِيرَة مَا إِدَرِّيوْهَا مْدَارِي، أَخَّرْ التَّوَاخِرْ غَادِي إِتْحَازْ لَحْكَامْ لَلنْسَا وُالدْرَارِي، أَخَّرْ التَّوَاخِرْ العَاوْدَة تَمْشِي بْلاَ لْجَامْ، وُالطْعَامْ مَا يَبْقَى فِيهْ لِيدَامْ، لَمْرَا تَمْشِي وُتْجِي قُدَّامْكْ بْلاَ احْتِرَامْ حَلّْ بَالَكْ فِينْ هُوَ لَحْكَامْ.
كنت في مهمة بمنطقة تساوت السفلى التي هي عبارة عن سهل فلاحي يمتد على مساحة 72000 هكتار، والتابع لإقليم قلعة السراغنة الذي يبعد عن مدينة مراكش ب 84 كلم، وصادفت أثناء قيامي بمهمتي أحد الفلاحين من الشيوخ الذي يعرف جيدا ما يقول، فتلا على مسامعي هذا المثل الشعبي، وأظن بأن المثل واضح كشمس على علم، ويدل مغزاه على أنه في آخر الزمان سوف يصير الحكم وسوف تسند الأمور للنساء و'الدْرَارِي' أي الأطفال الحديثي السن، وسيصير العيش عيشا ضنكا بدون طعم ولا مذاق وهو ما عبر عنه المثل ب 'الطْعَامْ مَا يَبْقَى فِيهْ لِيدَامْ'، ولسوف يُرْفَعُ الاحتشام والوقار ويحل محلهما الميوعة والخلاعة، وهو ما عبر عنه المثل ب 'لَمْرَا تَمْشِي وُتْجِي قُدَّامْكْ بْلاَ احْتِرَامْ حَلّْ بَالَكْ فِينْ هُوَ لَحْكَامْ'.
رَانِي مْشِيتْ مْعَ الطْرِيقْ وُرَانِي وُلِّيتْ، وَاشْ دَّانِي نَتْرَافْقْ مْعَ قْلِيلْ النِّيَّة.
وهذا المثل أيضا تلاه علي نفس الشيخ، ومغزاه أن لا صُحبة ولا رُفْقَة تُرتَجى من قليل النية، والنية في كل الأحوال أبلغ من العمل، وأي شيء بلا نية في جميع مناحي الحياة بل حتى في العبادات هو شيء باطل زائل وبدون جدوى.
لاَ تْــفِيدْ الدَّامْرْ بَنْصَاحَة، لاَ تـْــزِيدْ بَالدَّحْشْ لِلَمَقْصُورَة وِلاَ بْــغِيتِي تَشْرَبْ أَتَايْ طْلَعْ لِلْمَعْمُورَة
الدامر هو المغفل، والدحش (جحش) هو ابن الحمارة الكثير الركل و'التحنفيز' ويُـقصد به العبد الناكر للجميل الذي قال فيه شاعر الزمان أبو الطيب المتنبي:
لاَ تَشْتَرِ العَبْدَ إِلاَّ وَالْعَصَا مَعَهُ     إِنَّ الْعَبِيدَ َلأَنْجَـاسٌ مَنَاكِيــدُ
العَبْدُ لَيْسَ لِـحُرِّ صَالـِحٍ بِأَخٍ     لَوْ أَنَّـهُ فِي ثِيَابِ الـحُرِّ مَوْلُودُ
أما المقصورة فهي مكان بالمسجد يدل على اتجاه القبلة للمصلين، أتاي بالعامية المغربية تعني الشاي، والمعمورة هي أكبر غابة لأشجار الفلين في العالم، تقع على المدخل الشمالي لعاصمة المملكة المغربية الرباط على ساحل المحيط الأطلسي، كانت فيما مضى تمتد على مساحة 150.000 هكتار، غير أنه بين سنتي 1955 و 2000 تقلصت مساحة هذه الغابة الفريدة من نوعها إلى النصف نتيجة الرعي الجائر و الاستغلال المفرط و قطع الأشجار و حرق الغابة من أجل الزراعة،  ويقصد المثل أن لا فائدة في تقديم النصح للمغفل، ومن غير الطبيعي تقديم عبد (دحش) لإمامة الناس في الصلاة، وبعيدا عن المغفل والعبد فإن خير مكان لشرب الشاي هو غابة المعمورة.
قُومْ الشّْحَاحْ فَتْشُوا عَالحْرَامْ مْحَاصَّة، قَسْمُوا النَّمْلَة مْسَادْسَة وُطَمْعُوا فَالرَّاسْ
الشّْحَاحْ المقصود بها شِحَاحْ باللغة العربية الفصحى وهي جمع شحيح أي بخيل، 'فتشوا عالحرام محاصة' تعني بحثوا عن الحرام ليقتسموه فيما بينهم، 'قسموا النملة مسادسة وطمعوا فالراس' تعني قسموا النملة رغم ضآلة جسمها إلى ستة أجزاء، غير أن طمعهم الذي ليس له حدود لم يثنيهم عن محاولة كل منهم للظفر حتى برأس النملة الذي لا يساوي شيئا، وهو مثل يتجسد بكل معانيه في لصوص المال العام وآكلي السحت والحرام، الذين يطمعون أحيانا حتى في معونات المنظمات الوطنية والدولية الموجهة للمعوزين والفقراء واليتامى والأرامل من دقيق وسكر وزيت وألبسة مستعملة وغيرها، بحيث يقومون بتحويلها إلى وجهة أخرى، كي تُباع في السوق السوداء ليقتسموا فيما بينهم أموالها الحرام، وبمجرد حلول انتخابات جديدة طلعوا علينا  بطلعتهم الخسيسة وسياراتهم الفارهة من أموال الحرام بدون خجل ولا استحياء ولا تأنيب ضمير.   
إِيمَانْهُمْ كِوَسْطْ النَّمْلَة مْحَزْزَة، فَايْتِينْ بُوقَفَّازْ بَتْحَنْقِيزَة
هذا المثل هو تتمة للمثل السابق لهؤلاء الأقوام العديمي الذمة والضمير، ومن ينظر إلى النملة يكتشف أن جسمها مكون من أربعة قطع هي الرأس والجذع والهيف والبطن، والهيف هو المنطقة الرقيقة جدا التي تربط بين البطن والجذع، لهذا شبه المثل إيـمان هؤلاء بهذه المنطقة من جسم النملة بعبارة 'كِوَسْطْ النَّمْلَة مْحَزْزَة'، محززة أي أن وسطها ضعيف ورقيق جدا، بوقفاز هو حشرة تشبه إلى حد ما الجرادة، وسُمي بوقفاز بهذا الإسم لكثرة قفزه وعدم استقراره في أي مكان، وبالرغم من ذلك فقد تجاوز هؤلاء الأقوام البطل العالمي لكل الأزمنة 'بوقفاز'  في القفز،  وهو ما جاء في  جملة 'فايتين بوقفاز بتحنقيزة'، 'فايتين' أي متجاوزين، 'بتحنقيزة' أي بقفزة.
وُلَّفْتْ البَهْجَة وُنَاسْهَا وُمَا نَقْطَعْ اليَاسْ، اللِّي يِخْفَاهْ الصّْلاَحْ إِيجِي لَبْلاَدْنَا، يِقْصَدْ مَرَّاكْشْ مْدِينَة
الزْهُو وُالحْضَرْ وُالتَّنْوِيرْ، إِعَدّْ أُولاَدْهَا سْبُوعَة وُيعَدّْ رْجَالْهَا أُولِيَاءْ كُلّْ قْدَمْ بَفْقِيرْ
'ولفت البهجة وناسها وما نقطع الياس' تعني ألفت أُناس البهجة (البهجة لقب لمدينة مراكش)،  ولن أيأس من ملاقاتهم مرة أخرى، 'اللي يخفاه الصلاح إيجي لبلادنا' تعني من يخفى عنه الصلاح ليأتي لزيارتنا في بلدنا، 'يقصد مراكش مدينة الزهو والحضر والتنوير' تعني يقصد مدينة مراكش، مدينة الزهو والتحضر والتمدن وأنوار العلم والأدب، 'إعد أولادها سبوعة ويعد رجالها أولياء كل قدم بفقير' وتعني أنه سوف يكتشف عند زيارته عدد أبنائها من الأُسُود، وسوف يعد عدد رجالها من أولياء الله، وفي كل خطوة خطاها سوف يجد أحد هؤلاء الأولياء، هذا المثل حسب رأيي أصبح متجاوزا في الأزمنة الراهنة، لأن مراكش  فسخت جلدها مثل الأفعى، ثم شمرت على سواعدها بمباركة وتمويل سفهاء الخلق من حثالات اليهود والنصارى، فطردت أبناءها الغيارى من الأُسُود التي كانت تحرس الشرف والكرامة والعزة، ووضعت أولياء الله من رجالها الذين كانوا يتدفقون بالأنوار والبركات في متاحف للزوار لالتقاط الصور، وأحلت محلهم أقواما منحلة خبيثة آسنة من جميع الملل والنحل لا ترقب فينا إِلاًّ ولا ذِمَّة، كل هذا الخراب المجتمعي الخطير والاندحار الأخلاقي الكبير من أجل حفنة  من الدولارات القذرة.
السْبَعْ إِيلاَ شَابْ كَيْصِيرْ مَهْزَلَة الْكْلاَبْ
من المعلوم أن بني البشر لا يقدرون حق قدرهم إلا الأوقياء جسميا أو ماليا أو بسلطان، غير أن هؤلاء الذين يحسبهم الناس أُسُودا لا تُقهر سرعان ما تتهاوى صروحهم المصنوعة من ورق بمجرد أن تخونهم الصحة أو ينقلب عليهم الزمان أو يفقدون السلطان، ويُصبحون مهزلة ومسخرة حتى أمام حثالات المجتمع وأذنياءه.
الـتْفَرْنِيسَة وُالـــتَبْزَاقْ مَنْ تَحْتْ الجَلاَّبَة
'التفرنيسة' هي البسمة الصفراء الـمُصْطنعة، و'التبزاق' هي مد الأصبع الوسطى في وجه الشخص قصد الإهانة، الجلابة هي لباس مغربي تقليدي أصيل فضفاض ومريح، مصنوع من الصوف أو الكتان ويغطي سائر الجسد من الرأس حتى القدمين، ويقصد بالمثل الشخص الجبان الذي لا يقوى على المجابهة، فيظهر البشاشة في العلن بينما يُـخفي الإهانة سرا.
عَيَّطْتْ عْلَى دْيَالِي وُجَانِي وُعَيَّطْتْ عْلَى دْيَالْ النّاسْ مْشَى وُخَلاَّنِي
'عَيَّطْتْ' أي ناديت، 'دْيَالِي' أي ما هو لي، 'دْيَالْ النَّاسْ' أي ما هو للناس، ويُقصد بالمثل أن على المرء ألا يعتمد إلا على نفسه في هذه الحياة أو لا يعتمد أبدا على الناس، والمثل 'الـمَكْسِي بَدْيَالْ النَّاسْ عَرْيَانْ' يؤدي نفس المعنى.
إِيلاَ مَاتْ البَّاتْ وُسَّدْ الـــرُّكْبَة وِيلاَ مَاتْتْ المِّيمَة وُسَّدْ العَتْبَة
'البَّاتْ' هو الأب، 'وُسَّدْ' كلمة مشتقة من الوسادة التي توضع تحت الرأس وقت النوم، فما دامت الأم على قيد الحياة فبإمكان المرء أن يوسد ركبتها، غير أن رحيل الأم يعد فاجعة كبيرة، لأنه في هذه الحالة لن يستطيع أن يضع رأسه إلا على عتبة المنزل الباردة، ويُضرب المثل على أن حنو الأم وعطفها على أبناءها يفوق كثيرا حنو الأب ولا مجال للمقارنة.
مَا كْبِيرْ غِيرْ الجَّامْعْ وُمَا صْغِيرَة غِيرْ الكَابِينَة
'الكابينة' هي المرحاض، ومن المعلوم أن المراحيض تكون صغيرة المساحة ونتنة الرائحة بينما المساجد تكون فسيحة ونظيفة الهواء، وهو مثل يرد به الطاعنون في السن على الشباب الذين يتباهون أمامهم بصغر سنهم.
هوامش:
-'دَرْسَة كْبِيرَة مَا إِدَرِّيوْهَا مْدَارِي': قبل ظهور آلات الحصاد  ومكننة عمليات حصاد الحبوب، كان فصل الحبوب عن التبن يتم بطريقة يدوية تقليدية بواسطة الـمَدَارَى (مْدَارِي) جمع مِدْرَى أو مِدْرَاةٍ وهي أَداةٌ مصنوعة من حديدٍ أو خشبٍ على شكل أسنان الـمشط.
-'دَرْسَة كْبِيرَة': هو تعبير للدلالة عن شساعة سهل تساوت السفلى بمنطقة الحوز.
-العَاوْدَة: بالعامية المغربية هي أنثى الحصان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق