رحم الله امرءا عرف ضعفه وكف أذاه عن الناس

مدون ضفاف متوهجة عبدالقادر ب. في الوسط رفقة الزملاء سعيد م. عن اليمين و الحاج إبراهيم ه. عن الشمال بإحدى الضيعات بنواحي مراكش
لقد عشت وعاينت، وأحيانا عن كثب، كم من المتسلطين الظلمة قسمهم الله تعالى، ابتداء من (المسؤولين) الكبار في مختلف أجهزة الدولة، مرورا بالولاة والعمال والقياد والقضاة والنواب البرلمانيين والمستشارين، وصولا للمدراء المركزيين للمؤسسات العمومية وزبانيتهم من الجواسيس والعُبْدَان والخَوَلِ الذين هم في خدمتهم ويلعقون أحذيتهم صباح مساء، هؤلاء اللصوص العديمو الذمة والضمير والمجرمون بحق شعب مغلوب على أمره، الذين راكموا ثروات ضخمة من أموال السحت والحرام والرشاوي والسرقات، ورغم ذلك لم يستتبع كل ما اقترفوه من جرائم اقتصادية واجتماعية بحق شعب برمته أية مساءلة ومحاسبة، غير أن الله  تعالى لهم بالمرصاد ويذلهم  إذلالا ما بعده إذلال في حياتهم الدنيا قبل الآخرة عندما يُحالوا على التقاعد وتُنْتَزَعُ من أفواههم أثداء السلطة، ومن تم يُرمى بهم مباشرة في مزبلة التاريخ التي بإمكانها أن تسع جميع الأدنياء والحقراء وبئس المصير، كي يُصبحوا عبرة لكل من تسول له نفسه أن يسير على نهجهم الشاذ في إساءة استخدام السلطة والتفرعن واستغلال النفوذ، والتجاوزات الخطيرة التي يُغَضُّ عنها الطرف لاعتبارات شتى، أهمها الزبونية والمحسوبية والوساطات وغياب المراقبة الـمُحايدة والـمـحاسبة المستمرة والمنضبطة.
غير أن الله تعالى ليس بغافل عمى يفعل الظالمون، ومن سننه جل جلاله الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل في الكون، والتي نُسج على منوالها نظام هذه الحياة هي أن الجزاء من جنس العمل، وكأنما الدنيا تشبه جدول ضرب في الحساب، أو معادلة رياضية كيفما قلبتها وشقلبتها لتمحي آثار ظلمك وطغيانك وعدوانك، وازنت نفسها من تلقاء نفسها رغم أنفك، فكل جريمة تجد جزاءها بدون ضجيج، وكل فضيلة تكافأ بدون أية بهرجة، وكل خطأ يُجازى في صمت وبكل تأكيد، وليس في هذه الدنيا الواسعة المترامية الأطراف مكان يختفي فيه  قاتل أو ظالم أو سافل أو نذل أو لص، وكأن الأرض كلها صنعت من زجاج، وفي هذه القاعدة الربانية الكونية أعظم مواساة على الإطلاق للمظلومين والمستضعفين والمقهورين والمغلوبين عن أمورهم، حيث تؤازرهم على الصبر والثبات، وثوقا بوعد الله الذي يُمهل ولا يُهمل الظالم عسى أن يثوب.. حتى يأخذه أخذ عزيز مقتدر.
والإنسان بطبعه كما جاء في القرآن الكريم يطغى أن رآه استغنى، وهو ناموس اجتماعي عام منذ الخليقة الأولى، والظالم لا يستطيع أن يظلم أو يطغى لأنه يرغب في ذلك فقط، إنه يطغى عندما لا يجد أو ينعدم من يمنعه من الطغيان ويردعه عن الزوغان، لهذا لا تقع مسؤولية الظلم على عاتقه وحده إنما تقع على عاتق الذين أعطوه المفاتيح وسهلوا له المأمورية لفتح أبواب من المستعصي بل من المستحيل فتحها لعامة الناس، وتبعا لذلك يمكن لأي جاهل أو أمي من أتفه خلق الله وأحقرهم وأنذلهم في أي مكان أن يتحول إلى فرعون بشرط واحد، امتلاكه مفاتيح القوة بدون كوابح ولا ضوابط ولا حدود، ويمكن لأي وزير أو مدير في أي وزارة أو إدارة أن يتحول إلى فرعون يفعل ما يشاء وأنى يشاء، دائما كلمته هي العليا وكلمات الآخرين هي السفلى كما جاء على لسان الشاعر ابن هانئ الأندلسي:
مَا شِئْتَ لاَ مَا شَاءَتِ الأَقْدَارُ       فَاحْكُمْ فَأَنْتَ الوَاحِدُ القَهَّارُ
وَكَأَنَّـمَا أَنْتَ النَّبــــــِـــــــــــيُّ مـُحمَّــــدٌ       وَكَأَنـَّمَا أَنْصَـــــارُكَ الأَنْصَــــــــــــارُ
أَنْتَ الـــَّـــــــذِي كَانَتْ تُبشِّرُنَا بِهِ       فِي كُتْبِها الأَحْبَارُ وَالأَخْبَــــــارُ
هَذَا الَّذِي تُرْجَى النَّجَاة ُ بِحُبِّهِ       وَبِهِ يُــــحَـــــطُّ الإِصْــــــرُ والأَوْزَارُ
هَذَا الَّذِي تُجْدِي شَفَاعَتُهُ غَداً       وَتَفَجَّــــرَتْ وَتَدَفّقَتْ أَنْـــــــــهَارُ
يُذيق الموظفين أشد العذاب والبطش بشرط واحد هو امتلاكه مفاتيح القوة بدون مراقبة ولا محاسبة ولا تدقيق فيما ما يقوم به وهكذا دواليك، ولو سُحِبت من هاته الإمعات تلك المفاتيح التي يستمدون منها سطوتهم وطغيانهم وتُضفي عليهم رهبة وصولة وجبروتا، لأضحوا أتفه خلق الله وأكثرهم ألما وعذابا لما حل بهم، فحتى أطغى الطغاة في التاريخ فرعون لما أمر الله البحر فأطبق عليه ومن معه فأغرقهم أجمعين ، قال لما أدركه الغرق: "آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [يونس: 90]، فما قيمة هذه الحياة القصيرة الفانية في أن يربح الإنسان الدنيا بأموالها ويخسر نفسه، والرسول (ص) يقول "ليس الغِنَى عن كثرة العرض ولكن الغِنَى غنى النفس".
فهذا الإنسان الضعيف الذي يحاول دائما وأبدا إخفاء معالم ضعفه الصارخ البين، مهما بلغت ثروته وأملاكه وقوته وجاهه وجبروته يولد وحيدا، وينام في حيز لا يتعدى مترين مربعين، ولا يأكل سوى لقيمات قليلات يقمن صلبه، ويغادر هذه الدنيا مهما طال به المقام عاريا وحيدا باردا، ليُلقَى به في حفرة حقيرة تُوارى فيها سوءته التراب، عندها يستفيق من نومه وغفلته ويدرك عنذئذ أن ثروة الدنيا على الرغم مما تزخر به من متاع للغرور ليست في حقيقة الأمر سوى سراب كاذب في انتظار الموعد الذي لا مفر منه كما عبر عن ذلك أبلغ تعبير  الإمام علي عليه السلام:
النَّفْسُ تَبْكِي عَلَى الدُّنْيَا وَقَدْ عَلِمَتْ     أَنَّ السَّـــــــــلاَمَــــــــةَ فِيــــــهَا تَــــــــــرْكُ مَا فِيــــــــــــــهَا
لاَ دَارَ لِلْمَـــــــــرْءِ بَعْدَ المـَـــــوْتِ يَسْكُنُــــــهَا     إِلاَّ الَّتِي كَـــانَ قَبـْــــلَ الــمَـــــــوْتِ بَانِيـــــــــــــــــــــهَا
فَإِنْ بَنـَـــــــــاهَا بِخَـــــــــــــيْرٍ طَابَ مَسْكَنُــــــــــهَا     وَإِنْ بَنَــــــــــــــــاهَا بِـــشَــــــــــرٍّ خَــــــــابَ بَانِيــــــــــــــهَا
أَيْنَ المـُـــلـُــــــــــــــوكُ الَّتِي كَانَتْ مُسَلْطَنـَــــــــــةً     حَتَّى سَقَــــاهَا بِكَــأْسِ الـمَوْتِ سَاقِيــــــــــــــهَا
أَمْــــــوَالُنَا لِــــــــذَوِي المِيـــــرَاثِ نَجْمَعُــــــــــــــــــهَا     وَدُورُنَا لِـخــَـــــــرَابِ الدَّهْــــــــــــــرِ نَبْنِيـــــــــــــــــــــــــــــــهَا
كَمْ مِنْ مَـــــــدَائِن فِي الآفَاقِ قَدْ بُنِيَتْ     أَمْسَـــــتْ خَـــــــرَاباً وَدَانَ الــمَوْتُ دَانِيـــــــهَـــا
لِكُلِّ نَفْــــــسٍ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى وَجـَــــلٍ     مِــنَ الـــــمَنِيـَّــــــــــــــةِ آمـَـــــــــــــــــالٌ تُقَـــــــــوِّيـــــــــــــــــــــــهَا
فَالـمَرْءُ يَبْسِطُــــهَا وَالــــــدَّهْـرُ يَقْبِضُـــــهَا     وَالنَّفْسُ تَنْشُرُهَا وَالــــــــمَوْتُ يَطْوِيـــــــــــــــــــــهَا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق