صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أداتان للهيمنة النيوكلونيالية

 "من الأفضل هجر هاتين المؤسستين قبل أن تنهب بلادنا" الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو شافيز
منذ اندلاع أزمة المديونية ببلدان العالم الثالث سنة 1982، وذلك بالرغم من ثرواتها الطبيعية والبشرية التي لا تعد ولا تحصى، بدأ نزيف طويل ومهلك لهذه البلدان، وأصبح سداد الديون عبئا ثقيلا يـَحْرم شعوبها من تلبية حتى الاحتياجات الأساسية لبقاءها، لقد أصبح الدَّيْنُ تقنية ماكرة للهيمنة ووسيلة للاستعمار الجديد، فحتى المبادرات التي أطلقتها مجموعة الثمانية والمؤسسات المالية الدولية لم تغير من الوضع شيئا، لأن الأزمة عميقة جدا، وما لم يتم اجتثاتها من جذورها بمراجعة شاملة وشفافة تُفضي إلى إلغاء هذه الديون البغيضة والغير شرعية بكل بساطة، فإن دار لقمان لن تزداد إلا سوءاً على سوءٍ.
كان يا ما كان في قديم الزمان والعصر والأوان العالم مقسما إلى ثلاثة أقسام: العالم الأول وهو عالم الشمال (أوروبا وأمريكا الشمالية)، والعالم الثاني المكون من الاتحاد السوفياتي والدول التي تدور في فلكه، والعالم الثالث المكون من دول الجنوب، وبعد حين من الدهر انهار العالم الثاني مع مطلع سنة 1990 بسقوط جدار برلين، وقبل عشر سنوات من ذلك تم إخضاع العالم الثالث لدكتاتوريات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وبتفجر الأزمة المالية سنة 2008  جاء الدور على عالم الشمال الذي هوى هو الآخر (وتلك سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) الأحزاب آية 62، ولم يبق وسط هذه السوق الرأسمالية المعولمة المتوحشة سوى اللصوص الانتهازيون المستفيدون منها إضافة للغالبية العظمى التي تعاني من الآلة الشيطانية للديون.
لقد أنتجت آلة الديون هذه مخلوقات مشوهة وبشعة للغاية، إذ كيف يعقل أن يكون دخل 8 أشخاص من أكبر أثرياء العالم يوازي دخل 3.6 مليار من الفقراء والمعدمين، وكما قال الكاتب الصحفي الفرنسي 'هيرفي كيمب' في كتابة كيف يدمر الأثرياء كوكب الأرض: " إذا كان أي شيء لا يتحرك، ونحن ندخل في أزمة إيكولوجية ذات خطورة تاريخية، فلأن أقوياء هذا العالم يريدون ذلك، فمتابعة النمو المادي بالنسبة للأوليغارشية هي السبيل الوحيد لإقناع الشركات بعدم المساواة لدرجة التطرف دون اتهامها، فالنمو يخلق في الواقع فائضا من الثروات الظاهرية التي  تشحم النظام دون تغيير هيكله".
إن آلية الديون تسمح للمؤسسات المالية الدولية لدول الشمال والشركات العابرة للقارات أن تمارس مراقبة على اقتصاد الدول الـمُسْتَدَانَة، وأن تضع يدها بأدنى تكلفة على مواردها وثرواتها، إنه شكل جديد من الاستعمار مضبوط على إيقاع خطط التكيف الهيكلي، فالقرارات التي تهم دول الجنوب لا يتم اتخاذها داخل هذه الدول، بل يتم وضعها في واشنطن بوزارة الخزانة الأمريكية في مقر البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، وفي باريس بمقر نادي باريس الذي يجمع دول الدَّائِنِين الشماليين، وفي نادي لندن الذي يجمع كبريات الأبناك الشمالية، وتبعا لذلك فإن الأولوية ليست لإحراز حقوق الإنسان الأساسية كما تدعي دول الشمال المنافقة في جميع خطاباتها وابتزازاتها الموجهة لدول الجنوب، بل الأولوية بكل تأكيد وبالحجة والبرهان لإحراز المعايير الاقتصادية والمالية والجيوسياسية، على مذابح جماعية للكثير من البلدان الفقيرة التي وصلت بالفعل إلى مستوى من المديونية يتجاوز قدرتها على السداد، فعن أي حقوق للإنسان يتحدث هؤلاء اللصوص؟.
فالحرب التكنولوجية الحديثة تم تصميمها لتجنب أي اتصال جسدي بين المتقاتلين، لذلك فإن القنابل يتم رميها من ارتفاعات جد شاهقة تصل إلى 15000 متر حتى لا يشعر الطيار بفظاعة ووحشية الجرائم التي يرتكبها بحق أمم وشعوب وقبائل لم يلمس أحد من أفرادها شعرة من رأسه، والإدارة الحديثة لاقتصاديات العالم تسير هي الأخرى على نفس النمط، فمن أعلى فندق فخم وعلى موائد مستديرة كبيرة من كؤوس الشمبانيا يتم فرض بلا رحمة ولا شفقة وباستخفاف كبير سياسات كان على المرء أن يفكر مرتين في عواقبها لو عرف عدد الذين سوف يدمر حياتهم  إلى الأبد كما عبر عن ذلك الاقتصادي الأمريكي 'جوزيف ستيجلز' في كتابه 'الإحباط الكبير'.
والدَّيْن كما عبر عنه أبلغ وأوفى تعبير الرئيس السنغالي السابق عبدالله واد من اختراع الشيطان، فاذهب وتجول في كل ربوع افريقيا واسأل أين يوجد الدَّيْن، الدَّيْن الذي يطالبوننا بتسديده لا أحد يدري أين راح، الدَّيْن هو أفظع من السِّيدَا، بالنسبة للسِّيدَا هناك على الأقل أمل، أما بالنسبة للدَّيْن فإن الأجيال القادمة سيكون محكوم عليها بالأداء، ليس فقط أصل الدَّيْن بل حتى فوائده أيضا، بالنسبة لي الدَّيْن لا أتحدث عنه لأنني أعرف أنه لا يمكن محوه، فقط نُرَقِّعُ ونُعِيد جدولة الديون ونلتقط الفتات، إنه مثل إعطاء حبة أسبرين لمريض بالسرطان، أما أحمد بن بلة الرئيس الجزائري السابق في الفترة ما بين 1963-1965 فقد وصف هاته الأبناك الربوية قائلا: "لنا عَلَمٌ، لنا نشيد وطني، الباقي هم الغربيون بجميع توجهاتهم الذين يقررون مكاننا، كل هذا ملفوف في كلمات جميلة، تحت غطاء إعانة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، التي هي أصلا ليست سوى أدوات للتعذيب اخترعها الغرب لاستدامة هيمنته"، وبنفس الصدد قال 'توماس سانكارا' رئيس بوركينا فاسو بين عامي 1983-1987: "أصول المديونية ترجع إلى بداية الاستعمار، أولئك الذين قدموا لنا سلفات هم الذين استعمرونا، هم أنفسهم الذين يدبرون دولنا واقتصادياتنا، إنهم مستعمروا أفريقيا الذين يغرقونها في الديون من المقرضين، نحن غرباء عن هذا الدَّيْن، ولا يمكننا إذن سداده".
"فصندوق النقد الدولي والبنك الدولي غيرا المصطلحات وغيرا الشعارات وغيرا طريقتها في التشاور، غير أنهما لم يغيرا عقيدتهما"  كما جاء في مقال تحت عنوان الفشل الإفريقي ل'ديتليف كوتي' المسؤول السابق فى مؤتمر الأمم المتحدة حول التجارة والتنمية 'يـونكتاد'، فبرامج بناء التكيف الهيكلى التى تم تطبيقها فى افريقيا تحت رعاية صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لم تكن فعالة فى مواجهة المشاكل التى تطوق الاقتصاديات فى أفريقيا، ولم يتم إحراز أي تقدم هام في الدول التى وافقت على تطبيق برنامج التكيف الهيكلى، واعتبر عدة خبراء أن ليست هناك اختلافات نوعية بين اقتصاديات الدول التى طبقت برامج التكيف الهيكلى وتلك التى لم تطبق هذا البرنامج، وأن بعض الدول التى طبقت هذا البرنامج أصبحت أكثر فقرا من وضعها قبل تطبيقه، في كل الأحوال فإن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمفوضية الأوروبية لا يعملون إلا على حماية الأقوياء ضد الشعوب المستضعفة.
ولم يكتف النيوليبراليون الجدد بإثقال كاهل دول الجنوب بالديون الجائرة، بل توغلوا داخل مجتمعاتها واخترقوا أنسجتها الإجتماعية، فاخترعوا لضعفاءها في القرى والأرياف والمدن ما يسمى ب 'السلفات الصغرى'، وهو نظام ماكر لا يعدو أن يكون سوى جزء من نظام عنيف وجائر للعولمة النيوليبرالية، فهذه القروض تلعب دورا مفيدا على ما يبدو ظاهريا بالنسبة للمستضعفين لبعض الوقت، سرعان ما يتلاشى تأثيره كي يعاودوا الكَرَّةَ مرة تلو الأخرى، مثلهم كمثل حمار السانية المسكين الذي يدور مغمض العينين وهو يظن أنه يسير في خط مستقيم، وهذه القروض ليست في أي حال من الأحوال بديلا لنظام مديونية الدول ولا تعمل إلا على ضماد الجراح الغائرة -دون جدوى- التي أحدثها النظام الاقتصادي العالمي في أجساد البلدان المستضعفة، بينما تدور فوق مسرح العالم رحى معارك اقتصادية طاحنة، فمبدأ 'السلفات الصغرى' تم استغلاله من طرف عالم الأبناك الكلاسيكي للتمويل المبني على الفوائد الربوية، وهو من حيث التعريف يستعمل نفس الأساليب الملتوية الماكرة لإغراق الأفراد من بعدما أغرق الدول في الديون، وينظم في نفس الوقت بطرق غاية في المكر والدهاء وطبقا للقوانين الجاري بها العمل -يا حسرة- انتقال الثروة وتدفقها بشكل عمودي من الأسفل نحو الأعلى- خلافا للجاذبية الأرضية- من المستضعفين المستحمين في جحيمهم الدنيوي اليومي إلى دائنيهم المنتشين بخمرة وحور جنانهم الأرضية.
وفي الواقع، فإن الدول الصناعية استطاعت أن تُقْنِعَ حكّام الدول النامية بأن هذه القروض ستخدم مشاريع منتجة في بلادهم وستحقق الرفاهية لشعوبهم، وبذلك ستقوي شعبيّتهم، واستطاع خبراء البلاد الصناعية أن يقنعوا (خبراء!) البلاد المتخلفة ويدلسوا عليهم بجميع النظرّيات والمشروعات التي اقترحوها عليهم، والمغلوب كما قال ابن خلدون بطبعه مُولَعٌ بتقليد الغالب، فأقبلوا على القروض يأخذونها بفوائد عالية حتى غرقوا في مستنقع عدم القدرة على السداد، فَسُلْسِلَتْ حريتهم وشُلَّتْ حركتهم وتُرِكوا كأوراق بالية تدروها رياح المؤسسات البنكية الربوية العالمية، وتفعل بهم ما تشاء وأنى تشاء.
والشيء الأكيد أن المسؤولين في الدول الدائنة ومن يسمون بخبراء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهما من الأبناك الاستعمارية الربوية يعرفون حق المعرفة الأوضاع الاقتصادية الصعبة للبلدان التي يمنحونها القروض، ويعرفون أيضا أن ليس باستطاعتها السداد، ومع ذلك يجازفون بأموالهم، ترى لماذا؟:  
أولا: لمنع كساد اقتصادها وأسواقها، وتمكين هاته الأسواق من تصدير منتجاتها إلى الدول الغارقة في الديون، وبذلك تبقى حركة العمل والإنتاج في بلادها مستمرة،
ثانيا: لمعرفتها عن استرداد أموالها في كل الأحوال حتى لو عجزت الدول المدينة عن السداد النقدي، فإنها لا تعجز عن تقديم شيء من أرضها وسيادتها بالتنازل مثلا عن قواعد عسكرية ومطارات وموانئ، وفرض مشاركة الدول المدينة في ثرواتها، وسلب امتيازات تجارية وسياسية وغيرها،

ثالثا: جعل الحاكم في البلد المدين تحت رحمتها وخاتماً في إصبعها حين يعجز عن السداد، فيلجأ إلى طلب فترة سماح وإعادة جدولة ديونه، فيتدخل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي ولا يقبل بفترة سماح ولا بإعادة جدولة إلا بعد أن يطّلع 'خبراءه' بصورة مستوفية وعميقة عن  كيفية التخطيط الاقتصادي والانفاق المالي وجميع شؤون البلد المدين، عند ذلك يضعون سلسلة من المقترحات والشروط ليسيّر النظام في ذلك البلد بموجبها وتحت رقابتهم، فإن وافق الحاكم وخضع لتوجيهاتهم وافقوا على إعادة الجدولة التي لا تشكل حلاً بل مجرد تأجيل للمشكلة وتضخيم لها إلى ما لا نهاية.
لكل هذه الآفات الخطيرة المدمرة كان الإسلام صريحا وصارما أشد الصرامة في تحريم الربا تحريما قطعيا لا اجتهاد ولا تأويل ينفع معه:(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)) سورة البقرة.
فالحل لاسترجاع استقلالية قرار دول الجنوب وتعافي اقتصادها يكمن أولا وقبل كل شيء في تضامنها فيما بينها وامتناعها عن تسديد الديون التي تخنق اقتصادياتها الهشة، لأنها ديون غير شرعية في كثير من الدول، تم منحها لحكومات فاسدة ومستبدة استحوذت بالسرقة والتهريب على النصيب الأكبر منها، وهي أيضا ديون ناتجة عن نهب ثروات دول الجنوب من طرف الشمال خلال مئات السنين من اللصوصية الفجة واللاأخلاقية في وضح النهار، إضافة للاستغلال اللاشرعي خلال فترات الاستعمار المباشر والغير مباشر.
لقد وصلت اقتصاديات الكثير من دول الجنوب المستدانة من طرف الأبناك العالمية الربوية إلى الباب المسدود وبعضها يقترب من الإفلاس، ومن غير المعقول أن تتوقع من دولة أن تغلق مدارسها، وجامعاتها ومستشفياتها ومحاكمها، وأن تتخلى عن الخدمات العامة، بحيث تترك المجتمع برمته ضحية للفوضى العارمة ومرتعا خصبا لجميع المجرمين  الخارقين لكل القوانين، وذلك فقط من أجل أن تُوَفِّرَ الأموال اللازمة لتسديد الدائنين الأجانب والوطنيين الجشعين، ولم يعد بإمكانها أن تتحمل هذا العبئ الجائر الذي يشكل أبشع أداة لهيمنة وسيطرة دول الشمال الإمبريالية الثرية التي تتغنى بالتحضر وحقوق الإنسان والقانون الدولي، وتلوح بهذه المصطلحات الفارغة في كل ناد على الدول الفقيرة المستضعفة كلما أرادت ابتزازها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق