الانتحار العربي على بوابة اليمن العريق

لماذا لم تدافعوا أيها العرب عن الشرعية في مصر، ثم استفقتم بعد حين من الدهر لتدافعوا عنها في اليمن؟ 
إن تدمير بلد عربي فقير بماله غني وشامخ بعزته لا يمت للإسلام بأية صلة ولا يشرف أي مسلم حر. 
 فكفاية من جرائمكم المروعة بحق المدنيين من نساء وأطفال وشيوخ اليمن المستضعفين المظلومين، تبا لكم. 
إن المتفحص لتاريخ اليمن يدرك مدى صعوبة إخضاع هذا البلد العريق الذي عرف قيام عدة حضارات قديمة ابتداء من سبأ ومرورا بحمير ومملكة حضرموت وقتبان ومعين وغيرها من الحضارات الأخرى، وهو بلد يضم بداخله كل المتناقضات من قبائل وعشائر وطوائف ومذاهب وديانات شتى تتعايش فيما بينها بسلام،  وليس بإمكان أي قوة في العالم القضاء على إحداها أو إلغاؤها من المشاركة الفعالة في اتخاذ القرار الذي يهم بالأساس كل أبناء اليمن دون إقصاء أحد منهم وبدون إملاءات خارجية.
وللتذكير إن نفعت الذكرى، فإن التاريخ هو خير أستاذ لمن أراد أن يعتبر من قصص الأولين، فقد أرسل الإمبراطور 'أغسطس قيصر' في العام 25 قبل الميلاد حملة عسكرية بقيادة حاكم مصر الروماني في تلك الأزمنة السحيقة 'أيليوس غالوس'، فتصدى اليمنيون الأشداء وأبادوا من الجيش الروماني عشرة آلاف مقاتل على أبواب مأرب، وانسحب 'غالوس' وصديقه 'سترابو' يجرون مرارة الهزيمة المنكرة إلى الإسكندرية، ومع مطلع القرن السادس عشر وبالضبط عندما دخل العثمانيون مدينة عدن عام  1538 م، وحاولوا السيطرة على المدينة والزحف على باقي المناطق الأخرى، تصدى لهم  اليمنيون وحطموا أسنان أقوى امبراطورية في ذلك الوقت، وأبادوا من الجبش العثماني الذي كان قوامه 80 ألف مقاتل ما يناهز 73 ألف مقاتل في الفترة الممتدة من عام 1538 م حتى عام 1547 م.
ولا يمكن نسيان استنزاف الجيش المصري على إثر تدخله في الشؤون الداخلية لليمن  بين عامي 1962 و1967 إبان حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر،  عندما أشعل اليمنيون النار من تحت أقدام الجيش المصري  على الطريقة الفيتنامية حتى فقد بوصلته ولم يعد يدري بأي أرض يكون، وهو ما كان له أثر بليغ  في معنويات الجيش المصري الذي خر صريعا في ستىة أيام أمام 'إسرائيل' عام 1967. 
ولا أستبعد أن يكون الرئيس الأمريكي 'باراك أوباما' قد قرأ تقريرا مفصلا أعده له شياطين البيت الأبيض عن لغز اليمن وتاريخه المليء بالأحداث الجسام، هذا البلد الذي يضم بداخله كل المتناقضات والقنابل الموقوتة التي بإمكانها أن تهزم أي إمبراطورية مهما بلغت قوتها ومهما استعلت بجبروتها، لذلك قام بتوريط المملكة العربية السعودية، التي كنت أظنها من الرصانة بأن تقدم على هكذا خطوة بهذه السرعة وهذا الاستخفاف، في حرب قد تتطور لتصبح حرب استنزاف طويلة أو حرب نفوذ في الشرق الأوسط بين السنة والشيعة كما يريدها الغرب الصليبي في قرارة نفسه، قد تبتلع المنطقة برمتها بما في ذلك سوريا والعراق ولبنان وإيران والسعودية وباقي الدول الخليجية، وعند ذلك يكون الخاسر الأكبر هم كل المسلمين في العالم، والرابح بدون جهد ولا أدنى خسائر هي أمريكا و'إسرائيل'، فالحرب التي باركتها أمريكا بدون تحفظ وقدمت العرب  قرابين لها تمثل عملية انتحارية لكل ما  تبقى من نفس أخير في جعبة العرب، من بعدما تم تشتيث جهدهم وتدجينهم وتدمير مقدراتهم العسكرية، وتأليب بعضهم على البعض الآخر كراهية لدرجة  العض والرفس والذبح والحرق والاغتصاب.
وكل ذي بصيرة وكل عاقل لا يرى حلا للأزمة اليمنية إلا من خلال الحوار البناء والمقاربة السياسية التي تأخذ بعين الإعتبار كل مكونات المجتمع اليمني، وأرى من وجهة نظري أنه من المستحيل حسم الصراع على السلطة عسكريا بالقوة والنار دون إشعال كل المنطقة نارا تفوق بكثير نيران حرب الخليج الأولى، وما لم تجنح كل الأطراف إلى الحل السلمي السياسي التفاوضي دون إقصاء أي طرف، فلا شك أن الخاسر الأكبر سيكون هم العرب والمسلمون، الذين سوف يندمون ويعظون على أصابع الندم يوم لا ينفعهم ندم.
لقد عملت أمريكا والغرب الصليبي وحبيبتهم 'إسرائيل'حتى الآن بمكر شديد ومهارة عالية لتدمير أربع دول عربية وتحطيم جيوشها الوطنية ابتداء بالعراق ثم ليبيا فسوريا، وتقسيم السودان في ظرف زمني وجيز لم يتجاوز  ثمان سنوات، والجيش المصري بالتأكيد مستهدف، وستتبعه باقي الجيوش العربية التي سوف تتهاوى كلعبة دومينو، وخلق هؤلاء المجرمون الصليبيون فتنا مظلمة وبلابل وقلاقل غاية في الدهاء والخديعة داخل المجتمعات العربية والإسلامية الأخرى تحت مسميات شتى من ديمقراطية وحقوق إنسان وحقوق المرأة وحقوق الشواذ إلى غير ذلك من  الخزعبلات والترهات الشيطانية الملغمة التي ظاهرها رحمة وباطنها عذاب، فبدأت هذه الدول-تحت الضربات الموجعة المتواصلة التي ينبح في كل ناد الغرب الصليبي وتوابعه وأذياله في الداخل من المغربين من المسلمين في هذه الدول بأنها 'قانونية وحقوقية'-تفقد توازنها وسلمها الاجتماعي الذي حاول الإسلام المحافظة عليهما طيلة 14 قرنا، مما تولد عنه بداية نشوء أجيال ممسوخة مشوهة الخلقة لا هي باليهودية ولا هي بالمسيحية ولا هي بالمسلمة، فاعتبروا يا أولي الألباب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق