كن نبعا دائما لا مجرد صهريج

كُنْ بَلْسَماً إِنْ صَارَ دَهْرُكَ أَرْقَمَا     وَحَلاَوَةً إِنْ صَارَ غَيْرُكَ عَلْقَمَا
                                                    إيليا أبو ماضي
تذكر في نوبات غضبك أن الغضب ليس من الرجولة في شيئ، وأن الرحمة واللين أكثر إنسانية وبالتالي أكثر رجولة، فالرحماء هم ذووا القوة والبأس والشجاعة وليس القساة ولا الساخطون، فكلما تحكمت في انفعالاتك كنت أقرب إلى القوة، فالغضب دليل ضعف شأنه شأن الجزع، فالغَاضِبُ والجَازِعُ كلاهما أُصِيب وكلاهما استسلم.
البعض تبعثره الريح على الأرض، هكذا حال البشر، أطفالك أيضا مجرد أوراق، أوراق أيضا تلك الأصوات التي تهتف بمدح الـمَلِك، وتلك اللعنات من مناوئيك، وهذا الـمَلاَمُ الصامت أو السخرية المكتومة، مجرد أوراق مماثلة أيضا أولئك الذين سيتلقون وينقلون مجدك المستقبلي للأزمنة الآتية، فكل هذه الأشياء تنتج في فصل الربيع، ولكن لا تلبث أن تذروها الرياح.
هل ترغب في أن يمدحك إنسان يلعن نفسه ثلاث مرات كل ساعة؟، هل تود أن تُرْضِي إنسانا لا يستطيع أن يرضى عن نفسه؟، وهل يمكن أن يرضى عن نفسه من يندم على كل شيء يفعله؟
لا تكن متثاقلا في فعلك، ولا مُشَوَّشاً في مُحَادثتك، ولا غامضا في تفكيرك، ولا تترك عقلك نهبا للإنقباض ولا للتيه، واجعل في وقتك ساعة للفراغ والترويح، إنهم يقتلونني، يمزقونني، يلعنونني، وكيف يمكن لكل ذلك أن يحول بين عقلك وبين الصفاء والحكمة والرصانة والعدل؟، هَبْ واحدا أتى إلى نبع من الماء الصافي، وأخذ يلعنه، فهل سيمنع النبع من أن يظل يتدفق بالماء الزلال؟، وَهَبْهُ ألقى فيه بشيء من الطين والرَّوْثِ، فلن يلبث النبع أن يُفَتِّتَهُ ويُزِيحَهُ ويعود إلى نقاء، كيف إذن تُؤَمِّنُ لنفسك نَبْعاً دَائِماً لاَ مُجَرَّدَ صِهْرٍيجٍ؟: بأن تُوَطِّنَ نفسك طوال الوقت على الحرية وتَظَلّ قَانِعاً، بَسِيطاً وَمُتَوَاضِعاً.
قبل كل شيء لا تبتئس، فكل شيء يمضي وفق طبيعة العالم، وبعد برهة ستكون لا شيء وفي لا مكان، ثم انصرف إلى عملك الذي تؤديه وانظر إليه ماذا يكون، وتذكر أن واجبك أن تكون رجلا صالحا وتذكر ما يقتضيه ذلك، ثم امض في عملك لا تلوي على شيء، وتحدث بما تراه الأَصْوَبَ، على أن تفعل ذلك دائما برفق وتواضع وبدون رياء.
خذني وارم بي في أي مكان شئت، فأينما كُنْتُ فسوف أحفظ الجانب الإلهي مني سعيدا-أي قانعا-ما دام وُجْدَانِي وفِعْلِي يتبعان فِطْرَتَهُ الخاصة.
العقل الخالي من الإنفعالات هو قلعة: ليس تـَمَّة مَلاَذٌ للناس أقوى منه، ومن يأوي إليه فهو في حِصْنٍ حَصِينٍ، فما أجهله من لا يرى هذه القلعة، وما أتعسه من لا يَلُوذُ بهذا الحصن.
بهجة الإنسان أن يؤدي العمل اللائق بالإنسان، والعمل اللائق بالإنسان هو الإحسان إلى جنسه البشري، وازدراء نزعات الحواس، وتكوين حُكْمٍ سليم من الظواهر المقبولة، والتفكر في طبيعة العالم وكل ما يجري فيه، لديك ثلاثة علاقات الأولى بالجسد الذي يحيط بك، والثانية بالسبب الإلهي الذي يصدر عنه كل ما يجري للبشر، والثالثة برفاقك ومعاصريك من الناس.
الأبهة الفارغة للمواكب والحفلات، عروض المسرح، القطعان والأسراب، عروض المقارعة بالسيف، عَظْمَةٌ مُلْقَاةٌ للجِرَاءِ، فُتَاتٌ مُلقى لسمك البركة، نـَمْلٌ يكدح وينوء بأحماله، عَدْوُ فئران مذعورة، دُمَى تُرَقِّصُهَا خُيُوطُهَا، هكذا أشياء العالم، كم من رِفَاقٍ أتيت معهم إلى العالم يوما أراهم اليوم غُيَّبُ.
في كل لحظة من حياتك أَوْلِ كل انتباهك كإنسان، إلى أن تؤدي المهمة التي بين يديك بتحليل دقيق، ورزانة غير متكلفة، وتعاطف إنساني، وعدالة ونزاهة، وأن تُفْرِغَ عقلك من كل أفكاره الأخرى، ولسوف تمنح عقلك انفراجا إذا أديت كل فعل كما لوكان آخر شيء تؤديه في حياتك: نافضا عنك روح الإهمال وانعدام الهدف، وكل نُفُورٍ عنيف من أوامر العقل، وكل رِيَّاءٍ وكل أَثَرَةٍ، وكل تَبَرُّمٍ من نصيبك المقسوم، أرأيت كم هي قليلة تلك الأشياء التي تلزم المرء كي يعيش حياة هادئة تقية؟، الخالق نفسه لا يطلب من المرء أكثر من أن يراعي هذه الأشياء.
أي صنف من الناس هم حين يأكلون ويرقدون ويُضاجِعون ويقضون حاجتهم...إلخ؟، ثم أي صنف من الناس هم حين يتولون السلطة على الناس متجبرين متحجري القلوب؟، ورغم ذلك كيف كانوا منذ قليل عبيدا لكل تلك الحاجات وكل تلك الأشياء، وأي منقلب بعد قليل سينقلبون.
انظر وراءً إلى الماضي-إلى كل تلك التحولات الشديدة للأسر الحاكمة، وبوسعك عندئذ أن تتنبأ أيضا بما سوف يكون، فمن المؤكد أنه سيكون مشابها لذلك تماما وأنه لا يمكن أن يحيد عن إيقاع الحاضر، ومن تَمَّ فإنه سيان أن تتأمل الحياة البشرية أربعين سنة وأن تتأملها لعشرة آلافٍ من السنين: فأي جديد عساك تراه؟.
أيها الإنسان الفاني، لقد عِشْتَ كمواطن في هذه المدينة العظيمة، ماذا يهم إذا كانت هذه الحياة خمسة أعوام أو خمسين؟، على الجميع تسري قوانين المدينة، فماذا يُـخِيفُكَ من انْصِرافك من المدينة؟، إن من يَصْرِفُكَ ليس قاضيا مستبدا أو فاسدا، إنها الطبيعة ذاتها التي أتت بك، إنها أشبه بمدير الفرقة الذي أشرك ممثلا كوميديا في الرواية وهو يَصْرِفُهُ من المسرح، ولكني لم أمثل مشاهدي الخمسة، مثلت ثلاثة فقط..حقا !!.. ولكن في الحياة قد تكون ثلاثة مشاهد هي الرواية كلها.
استئناف الحياة إنما يحدده الكائن الذي ركبك أول مرة والذي هو الآن يُفْنِيكَ، وما لك من دور في أي من العلتين، اذهب بسلام إذن..فالإله الذي يَصْرِفُكَ هو في سلام معك.

الإمبراطور الفيلسوف الرواقي العادل 'ماركوس أوريليوس'

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق