ابن المقفع أديب العقل واللفظ البليغ

"لكل حريق مطفئ: فللنار الماء، وللسم الدواء، وللحزن الصبر، وللعشق الفُرقة، أما نار الحقد فلا تخبو أبدا"
                                                                                  عبدالله بن المقفع
عبدالله بن المقفع (724-759م) الفارسي المولد والأصل، والذي أسلم وسُمي بعبدالله وكُني بأبي محمد، يعتبر من أكبر كتاب اللغة العربية وعلماءها وأدباءها والمترجمين إليها، وأحد فحول البلاغة في التاريخ الإسلامي برمته، كان غاية في الذكاء وبحرا مترامي الأطراف في جميع علوم اللغة العربية والحكمة وتاريخ الفرس، عُرِفَ بتواضعه الشديد وعفافه ووفاءه الكبير لصِحَابِه، وقلة اختلاطه بالناس باستثناء من كان على شاكلته.
 كان عَلَماً بارزا في البلاغة ورصانة القول وشرف المعاني، بأسلوبه السهل، السلس، الغير متكلف والرشيق الذي بإمكان حتى أبسط الناس استيعابه وفهمه دونما جهد جهيد، على النقيض من الكثير من الكتاب الذين لكثرة فهامتهم وترفعهم عن عامة الناس يبقون يتخبطون ويضربون أخماسا بأسداس في إنشاءهم إلى الدرجة التي يُضحي معها من المستحيل أن يفهم أحد ما يقصدون، وكيف لا يكون هذا الرجل المعلمة كذلك وهو القائل عن البلاغة: "البلاغة هي التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها".
قام هذا العالم الفذ بإثراء الخزانة العربية والإسلامية بالعديد من المؤلفات القيمة  أذكر منها  كليلة ودمنة، الأدب الكبير، الأدب الصغير التي تتطرق لموضوع الأخلاق، رسالة الصحابة الذي يعالج موضوع النظم الاجتماعية والأديان، الدرة الثمينة والجوهرة المكنونة، المقولات العشر، العبارة، تحليل القياس والتاج في سيرة أنو شروان وغيرها من الكتب، كشف من خلالها عن عيوب ونقائص طبقات المجتمع الإسلامي، ووضع أسسا جديدة ونظما دقيقة ومثلا عليا لإعادة بناء طبقات جديدة قائمة على العدل والأخلاق حتى بالنسبة للحكام أنفسهم، ولعل هذا هو السبب الرئيسي الذي أدى إلى مقتله.
وفي كل ما  قام بكتابته كان يخاطب في الإنسان العقل ولا شيء غير العقل، ومن المعلوم أن أكثر ما يزعج الطواغيت على مر عصور التاريخ البشري هم العلماء الذين يستنهضون الهمم من خلال مخاطبة العقل الذي هو أغلى ما كرم به الله بني البشر، لذلك سرعان ما  قام بقتله والي أبي جعفر المنصور العباسي على البصرة سُفيان بن مُعاوية بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة ليُسْكِتَ صوته إلى الأبد متهما إياه بالزندقة  والكيد للإسلام بترجمته كتب الزندقة، دون أن يتمكن  من محو ذكره وذاكرته من التاريخ الإسلامي وعطائه الكبير للغة العربية رغم مرور ما يناهز 1256 سنة على مقتله، فليس باستطاعة أحد أن يشتري تاريخه أو يمحي منه زلاته وجرائمه مهما بلغت ثروته ومهما تجبر في طغيانه.
وكيف لا يحقد عليه ويكرهه كرها شديدا أبو جعفر المنصور العباسي، وهو يعلم أن كلماته التي كان يجاهر بها في جميع مجالسه كان لها وقع أشد من وقع الحسام المهند على الخاصة والعامة، حيث كان يقول في مجالسه بأن الرأي والهوى متعاديان، فمن نصب نفسه للناس إماما فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه وتقويمها في السيرة والطعمة والرأي واللفظ والأخدان، فيكون تعليمه بسيرته أبلغ من تعليمه بلسانه، وأن أحق الناس بالـمُلْكِ هو أشدهم محبة لإصلاح الناس، وأعلمهم بالتدبير، وأشدهم سلطانا على هواه وأقهرهم له.
أما عن هفوات اللسان وما أدراك ما هفوات اللسان فيقول ابن المقفع: اعلم أن لِسَانَكَ أَدَاةٌ مُصَلَّتَةٌ، يَتَغَالَبُ عليه عَقْلُك وغَضَبُك وهَوَاك وجَهْلُك، فكُلُّ غَالِبٍ مُسْتَمْتَعٌ به وصارفه في محبته، فإذا غلب على لسانك عقلك فهو لك، وإن غلب عليه شيءٌ من أشباه ما سَـمـَّــيْتُ لك فهو لعدوك، فإن استطعتَ أن تحتفظ به وتصونهُ فلا يكونَ إلا لك ولا يستولي عليه أو يشاركك فيه عدوك فافعل.
وبالنسبة لابن المقفع على المرء أن يعرف أن الرأي والهوى متعاديان، فإذا اشتبه عليه أمران فلم يدر أيهما الصواب، فلينظر أيهُما أقربُ إلى هواه فيخالفه، فإن أكثر الصواب في خلاف الهوى، وعلى المرء أن يجتمع في قلبه الافتقارُ إلى الناس والإستغناء عنهم، وليكن افتقاره إليهم في لِينِ كلمته لهم، وحُسن بشره بهم، وليكن استغناؤه عنهم في نزاهة عرضه وبقاء عزه.
وللعقل عند ابن المقفع أعلى المراتب، فهو يتقدم على كل شيء في الوجود، لذلك قال بأن العقل أكبر الأشياء وأجلها، وبأن الحِلْمَ أزين الخصال، والمواساة أفضل الأعمال، والاقتصاد (عدم الإسراف) أحسن الأفعال، والتواضع أحمد الخِلال.
ويرى أن لا خصومة بين الدين والعقل، لأن الحق لا يُضاد الحق، بل يؤيده ويشهد له، والدين معياره العمل لا القول، لأنه بالأعمال تُبَيَّنُ الأخلاق فترى أن تعاليم الدين قد تجسدت، أما الذين لا يـُجَاوِزُون في أمور الدين ألسنتهم، فيمجدون دينهم ويذمون دين الآخرين، فالبهوى يحتجون وبه يتكلمون لا بالعدل.
أما عن العدل كما يراه ابن المقفع بدون التواء ولا إبهام ولا تفلسف فهو في أن يقتصر المرء في كل عَمَلٍ تشهد النفس على أنه صحيح ويوافق كل الأديان، فيَكُفَّ يده عن الضرب والقتل والسرقة، ويُحَصِّنَ فرجه من الفجور، ويَزْجُرَ نفسه عن الكِبَرِ والغضب، ويُنَزِّهَ قلبه عن الـحقد والبغض والخيانة، ويَصُونَ لسانه عن الكذب والبُهْتَان والغَيْبَة والنَّمِيمَة وكل أمر مكروه، ويُضْمِرَ في نفسه ألا يَبْغِي على أحد، ولا يُكَذِّبَ بالبعث ولا بالقيامة ولا بالثواب ولا بالعقاب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق