لكي تهدم حضارة أمة عليك بالطعن في الأم والمعلم والعلماء

يَا نَفْسُ دُنْياكِ تُخْفِي كُـلَّ مُبْكِيَّةٍ       وَإِنْ بَدَا لَكِ مِنْهَـا حُسْنُ مُبْتَسَمِ
صَلاَحُ أَمْـرِكَ لِلأَخْــــــــلاَقِ مَـرْجِعُهُ       فَقَوِّمِ النَّـفْسَ بِالأَخْــــــــلاَقِ تَسْتَقِمِ
وَالنَّفْسُ مِنْ خَيْرِهَا فِي خَيْرِ عَافِيَّةٍ      وَالنَّفْسُ مِنْ شَرِّهَا فِي مَرْتَعٍ وَخِــمِ
                                                من نهج البردة لأمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله
"إذا أردت أن تهدم حضارة أمة فعليك بهدم الأسرة، وهدم التعليم، وإسقاط القدوات والمرجعيات، ولكي تهدم الأسرة عليك بتغييب دور الأم، اجعلها تخجل من وصفها بربة بيت، ولكي تهدم التعليم عليك بالمعلم، لا تجعل له أهمية في المجتمع، وقلل من مكانته حتى يحتقره طلابه، ولكي تُسْقِطَ القدوات عليك بالعلماء، اطعن فيهم، قلل من شأنهم، تشكك فيهم، حتى لا يَسْمَعَ لهم ولا يَقْتَدِي بهم أحد، وإذا اختفت الأم الواعية، واختفى المعلم المخلص، وسقطت القدوة والمرجعية، فمن يربي النشئ على القيم؟؟"عالم المستقبليات المهدي المنجرة رحمه الله
اعتدت أن أخرج للمشي وقت الظهيرة، عندما تخف حركة السير، ويهرب الناس بجلودهم من حرارة الشمس المراكشية طلبا للظل، وبينما كنت أمشي في يوم من الأيام بالقرب من حديقة الحارثي الجميلة ذات الخضرة الدائمة والأشجار الوارفة الظلال، تصادف مروري مع شخص بدا لي، من خلال هندامه الغير مرثب وملامح وجهه المتجهمة وكثرة الندوب الغائرة التي تركت أخاديد بارزة عليه، من الذين ابتلوا بشرب الكحول كي ينسى.
اقترب الرجل مني كثيرا وكأنه يعرفني ثم نظر جهة باب حديقة الحارثي، حيث كانت مجموعة من الفتيات اللائي يدرسن بثانوية الحسن الثاني خارجات وهن متضاحكات بصوت عال، فقال لي بالحرف: بغيت نسولك أخويا، علاش ولاو البنات 'مْشُوْلاَتْ'؟، و'مْشُوْلاَتْ' بالعامية المغربية تعني عطشانات جنسيا لدرجة الهيجان، ويبحثن عمن يشبع نزواتهن، فانفجرت في وجهه ضاحكا حتى دمعت عيناي، لأنني لم أكن أنتظر بتاتا أن يسألني مثل هذا السؤال، فأخذت بيده، ثم قلت له  أترى ذلك الصحن الكبير الموجه نحو السماء على سطح تلك الفيلا، قال: نعم، فقلت له: ذلك هو السبب، ومن كان لديه مثل ذلك القرن الشيطاني داخل بيته ف'اغسل عليه يديك'، فقال لي وهو يودعني مبتسما: سير أخويا الله يحفظك...طريق السلامة.
والحق يقال أن بنية المجتمع المغربي وعاداته وتقاليده الأصيلة وعلاقاته الاجتماعية التكافلية قد انقلبت رأسا على عقب، كما هو حال باقي المجتمعات العربية والإسلامية، من أسوإ إلى أسوأ منذ انتشار الصحون المقعرة والإنترنت في أواسط التسعينيات من القرن الماضي، وقد مسخت قرون الشيطان هذه المجتمعات في عقر دارها وداخل بيوتها وبكل فئاتها بدون استثناء، وجعلتها مثل أوراق الخريف البالية التي تدروها الرياح في يوم عاصف بدون حول لها ولا قوة.
وبمجرد سريان سموم الصحون المقعرة والإنترنت في جسد المجتمع المتداعية علاقاته الاجتماعية، شمر العلوج من حثالات اليهود والنصارى على سواعدهم للغزوة الكبرى التي نعيش حاليا على وقع دق مساميرها في نعوشنا منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي، وتجلت هذه الغزوة الكبرى في تدفق لم يسبق له نظير لأموالهم وأمراضهم وشذوذهم للاستقرار بين ظهرانينا، في أزقتنا ودروبنا التي اشتروا معظم رياضاتها ودورها التاريخية القديمة التي لا تقدر بثمن، ثم حولوها إلى مواخير وأماكن للسكر والقصاير والذعارة والشذوذ الجنسي بالليل والنهار فوق سطوحها، ثم قلدوهم في ذلك المخاربة عفوا المغاربة من أصحاب المقاهي في تحويل سطوح مقاهيهم أيضا إلى أماكن للعبث الليلي من طرف المخنثين والمخنثاث بدون حسيب ولا رقيب.
ويكفي المرء أن يتجول في جميع أحياء ودروب مدينة مراكش ليدرك مدى تغلغل هذا السرطان الخبيث في كافة مناحي الحياة المراكشية من خلال دور الضيافة والمقاهي المشيشة التي تعمل في فوضى لا نظير لها، متمثلة في تحويل سطوح هذه الدور إلى مسابح ومنتجعات للتهتك والتعري، وإقامة أمسيات السكر والمجون والرقص على جثت الحثالات من المغاربة الجبناء الذين لا خلق ولا علو همة لديهم، فقايضوا العز بالـمال.
ينضاف إلى كل ما سلف المستوى الكارثي الذي وصل إليه التعليم ببلادنا لدرجة أنه أضحى تعتيما يفرخ كل سنة أفواجا من الخريجين بنسخ محروقة، ليس لفساد المناهج أو عدم صلاحيتها أو لنقص في اللغة العربية الفصحى وعدم صلاحيتها لتلقين العلوم كما يدعي الكثير من المنظرين المتغربين الموالين لليهود والنصارى، والحاقدين على اللغة العربية الفصحى وعلى الدين الإسلامي الحنيف حقدا لا نظير له، والذين قال فيهم قولته المدوية الأديب الكبير طه حسين:"إن المثقفين العرب الذين لم يتقنوا معرفة لغتهم، ليسوا ناقصي الثقافة فحسب، بل في رجولتهم نقصٌ كبيرٌ ومُهينٌ أيضاً"، والذين عليهم أيضا أن ينصتوا للصوت المجلجل للعالِم الشهير الفارسي الأصل أبي الريحان البيروني (362-440 هجرية)، الذي كان في نفس الوقت رحّالةً وفيلسوفا وفلكيا وجغرافيا وجيولوجيا ورياضياتيا وصيدليا ومؤرخا ومترجما: "والله لأَنْ أُهْجَى بالعربية، أحبُّ إليَّ مِن أَن أُمْدَحَ بالفارسية!".
بل إن انهيار المنظومة التعليمية والمجتمعية راجع بالأساس وبدرجة أكبر لفساد أخلاق الناس وانهيار علاقاتهم الاجتماعية التي كانت أيام زمان تستمد أسسها من القيم الأخلاقية السامية للدين الإسلامي الحنيف، والمبنية أساسا على قواعد مثينة صلبة من عدل وإنصاف ورحمة وتسامح وصفح ورفق وإحسان وصبر وإيثار وقناعة وزهد وتواضع وتقوى وفضيلة ووفاء وإخلاص ومودة وتضحية ونبل واستقامة وشرف وكرامة وعزة وإباء وحياء، فهذه المصطلحات لم يعد لها وجود في قاموس الجيل الهجين الحالي الذي فتح عيونه على الصحون المقعرة والإنترنت، من بعدما دمرت العولمة وسوء تحصين الأنفس كل الأخلاق الحميدة في الناس، فمصيبة التعليم ببلادنا تعتبر كارثة ترجع لأسباب قيمية وأخلاقية صرفة بالدرجة الأولى وليس منهجية بحثة فقط كما يحاول بعض الحاقدين أن يوهموا الناس.
وسوف أضرب أمثلة صارخة على أن المشكلة تكمن في اندحار الأخلاق وليس في عدم صلاحية أو نقص في ترسانة القوانين الإدارية أو عيب في المناهج الدراسية أو نقص في اللغة العربية:
المثال الأول عن القضاء وما أدراك ما القضاء، وهو قصة جيدة تصلح أن يُستمد منها سيناريو لفيلم من سلسلة "غير ممكن ولكنه حقيقي"، فقد  نسي أحد القضاة بمدينة الدارالبيضاء مشتبها فيه بدون محاكمة منذ سنة  1980 إلى غاية افتضاح الأمر  سنة 2015، عندما كشفت التحقيقات التي قامت بها المفتشية العامة لوزارة العدل، بأن القاضي نسي تماما الرجل المتهم بالاغتصاب والسرقة في مستشفى للأمراض العقلية عدة سنوات قبل إحالته إلى السجن دون أية محاكمة وبدون أي سند قانوني، وهو خطأ جسيم وخطير ليس في نصوص القوانين ولا في الإجراءات، ولكن في عدم تحمل القاضي مسؤوليته الأخلاقية كاملة اتجاه المتهم الذي سُلِخَتْ من عمره 35 سنة وهو حي يرزق، وهي مصيبة كبرى ستخلد بمداد الاستهتار بحياة الناس في سجلات وزارة القضاء عوض اسمها الحالي الذي يصفها بوزارة العدل وما شفنا عدلا ولا نبلا.
المثال الثاني يهم التعليم، وما أدراك ما مصيبة التعليم، ويمكن أيضا أن يستمد منه سيناريو جيد لفيلم من سلسلة بسيكوز لألفرد هيتشكوك، عندما أقدم أحد التلامذة 'الضاسرين بزاف' بمدينة فاس بضرب أستاذه في مادة الرياضيات بسيف مثل سيف ذي يزن، أو مثل السيوف التي يراها 'البراهيش' في الفيديوهات والأفلام المنتشرة على النت والفضائيات الغربية، حتى كاد يجز رأسه، لمجرد أن الأستاذ كان صارما ووقف له دائما بالمرصاد ولم يسمح له بتاتا بالغش، ومثال آخر على 'ضسارة البراهيش' وقلة التربية هي جريمة القتل البشعة التي كان ضحيتها حارس عام إعدادية سعادة بتجزئة الآفاق بمراكش.
وهذه الأمثلة النموذجية تُظهر بما لا يدع مجالا للشك مدى سوء الأخلاق واندحارها وفساد التربية فسادا عظيما في البيت والمدرسة والشارع لدى فئة لا يستهان بها من المجتمع، ويمكنني أن أستمر في سرد المزيد من المصائب والكوارث الأخلاقية التي يشيب لها الولدان، ليظهر أن أصل هذه البلاوي أخلاقي وتربوي وقيمي وليس قانوني أو منهجي.
لقد بدأت تتوارى تدريجيا عن مسرح الأحداث الأسس والقواعد الأخلاقية الصلبة للدين الإسلامي الحنيف، لما بدأ الناس ينسلخون فرادى ثم جماعات عن هويتهم الإسلامية نتيجة الطمع والجشع وافتقاد العزة والانتماء اللذين بدونهما لا يساوي الإنسان شيئا، ففسدت الأجواء، وتسممت العلاقات، وفقد الناس بوصلتهم وانتماءهم، وتاهوا في بيداء قاحلة من الأماني الكاذبة التي لا تعدو أن تكون سوى سراب بقيعة يحسبها الظمآن ماء.
وكما هو معلوم فإن فقدان الهوية والانتماء أمر خطير يؤذن بانهيار أي مجتمع واختراقه من أي طرف كان، وبكل سهولة ويسر وعلى كل المستويات، فالتريية الخلقية أهم للإنسان من خبزه وثوبه كما قال سقراط، والمؤسسات تفسد حين لا تكون قاعدتها الأخلاق كما قال نابليون بونابرت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق