صديقك من يضر نفسه لينفعك

*يحكى أن غراباً وسنوراً كانا متآخيين، فبينما هما تحت شجرة على تلك الحالة إذ رأيا نمراً مقبلاً نحوهما، ولم يعلما به حتى صار قريباً من الشجرة، فطار الغراب إلى أعلى الشجرة وبقي السنور متحيراً، فقال للغراب: يا خليلي هل عندك حيلةٌ في خلاصي كما هو الرجاء فيك، فقال له الغراب: إنما تُلْتَمَس الإخوان عند الحاجة إليهم في الحيلة عند نزول المكروه بهم، وما أحسن القول المنسوب للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:
إِنَّ أَخَاكَ الحَقَّ مَنْ كَانَ مَعَـــــكْ     وَمَنْ يَضُــــــــــــرُّ نَفْسَــــهُ لِيَنْفَعَــــــــكْ
وَمَنْ إِذَا رَيْبُ الزَّمَانِ صَـــــــدَّعَكْ     شَتَّــــــتَ فِيكَ شَـمْلَهُ لِيَجْمَعَـــكْ
وكان قريباً من الشجرة رعاة معهم كلابٌ، فطار الغراب حتى ضرب بجناحيه وجه الأرض ونعق وصاح، ثم تقدم إليهم وضرب بجناحيه وجه الكلاب، وارتفع قليلاً وتبعته الكلاب وصارت في أثره، فرفع الراعي رأسه فرأى طائراً يطير قريباً من الأرض ويقع فتبعه، وصار الغراب لا يطير إلا بقدر النجاة والخلاص من الكلاب، ويُطْمِعها في أن تفترسه، ثم ارتفع قليلاً وتبعته الكلاب حتى انتهى إلى الشجرة التي تحتها النمر، فلما رأت الكلاب النمر وثبت عليه فولى هارباً، وكان يظن أنه يأكل السنور الذي نجا منه بحيلة صديقه الغراب. 
*زعموا أنه كان في جبل لبنان رجلٌ من العباد منزوياً عن الناس في غارٍ في ذلك الجبل، وكان يصوم النهار ويأتيه كل ليلةٍ رغيفٌ يفطر على نصفه ويتسحر بالنصف الآخر، وبقي على هذه الحال مدة طويلةً لا ينزل من ذلك الجبل أصلاً، وحدث  أن انقطع عنه الرغيف ليلةً من الليالي فاشتد جوعه وقل هجوعه، فصلى وبات تلك الليلة في انتظار شيءٍ يدفع به الجوع فلم يتيسر له شيءٌ، وكان في أسفل ذلك الجبل قريةٌ سكانها نصارى، فعندما أصبح العابد نزل إليهم واستطعم شيخاً منهم فأعطاه رغيفين من خبز الشعير فأخذهما وتوجه إلى الجبل، وكان في دار ذلك الشيخ النصراني كلبٌ جربٌ مهزول فلحق العابد ونبح عليه وتعلق بأذياله، فألقى إليه العابد رغيفاً من ذينك الرغيفين ليشتغل به عنه، فأكل الكلب ذلك الرغيف ولحق العابد مرةً أخرى وأخذ في النباح والهرير، فألقى إليه العابد الرغيف الآخر فأكله، ولحقه تارةً أخرى واشتد هريره وتشبث بذيل العابد ومزقه، فقال العابد: سبحان الله إني لم أر كلباً أقل حياءً منك، إن صاحبك لم يعطني إلا رغيفين وقد أخذتهما مني، ماذا تطلب بهريرك وتمزيق ثيابي، فأنطق الله تعالى ذلك الكلب فقال: لست أنا الذي قليل الحياء، واعلم أني رُبيت في دار ذلك النصراني أحرس غنمه وأحفظ داره، وأقنع بما يدفعه لي من عظام أو خبز، وربما نسيني فأبقى أياماً لا آكل شيئاًـ، بل ربما يمضي علينا أيامٌ لا يجد هو لنفسه شيئاً ولا لي، ومع ذلك لم أفارق داره منذ عرفت نفسي ولا توجهت إلى باب غيره، بل كان دأبي أنه إن حصل شيءٌ شكرت وصبرت، وأما أنت فبانقطاع الرغيف عنك ليلةً واحدةً لم يكن عندك صبرٌ ولا كان منك تحملٌ حتى توجهت من باب رازق العباد إلى باب إنسانٍ، فأينا أقل حياءً أنا أم أنت؟؟؟، فلما سمع العابد ذلك ضرب بيده على رأسه وخر مغشياً عليه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق