المفهوم المقلوب للإدارة

كان الوقت صيفا قائظا، عندما انطلقت بي سيارة المصلحة باتجاه بلدية العطاوية على بعد 70 كلم من مدينة مراكش، وكان برفقتي السائق  'ب' الذي أُحِيل على التقاعد حاليا، وكانت مهمتي بمساعدة الزميل 'عبدالعزيز' في تلك الفترة الزمنية تكمن في صيانة القناة ومنشآتها الفنية وتتبع ومراقبة أشغال تنقية قناة الروكاد من الأوحال التي كانت ترسب في قعرها نظرا لطبيعة المياه الموحلة القادمة من سد الحسن الأول، وهو أحد أهم السدود بمنطقة الحوز وأعلى سد ترابي بإفريقيا بعلو يصل إلى 145 متر وبحقينة تصل إلى 262 مليون متر مكعب،  وقد أُقيم على وادي الأخضر أحد روافد وادي تساوت في الطرف الجنوبي من الحوض الهيدرولوجي لأم الربيع، وتكمن أهمية قناة الروكاد التي تقطع سهل الحوز من الشرق نحو الغرب على طول 120 كلم وبصبيب مائي يصل إلى 20 م³/ث في كونها الشريان الحيوي الأساسي منذ سنة 1983 لغاية الآن الذي يمد من جهة مدينة مراكش بمتوسط سنوي وصل في السنين الأخيرة إلى 65 مليون متر مكعب من مياه الشرب عوض 40 مليون متر مكعب المحددة في المشروع، ومن جهة أخرى يروي الأراضي الفلاحية  لمناطق الحوز الأوسط والنفيس  ويدعم الحصة المائية المخصصة لمنطقة تساوت السفلى، وذلك في انتظار إنجاز مشروع تحويل مياه أم الربيع من سد المسيرة-أحد أكبر سدود المغرب الذي تبلغ حقينته 2,76 مليار متر مكعب-على مسافة 150 كيلومتر لجلب 70 مليون متر مكعب إضافية في السنة، وهو ما يكفي لسد حاجيات مدينة مراكش المتزايدة من مياه الشرب حتى أفق سنة 2030.
وبمجرد وصولي لعين المكان ترجلت من السيارة والتحقت بسائقي الجرافتين الهيدولكيتين اللذين كانا منهمكين في تنقية القناة ووضع الأوحال في شاحنات كانت متوقفة بالقرب، حيث كانت تُنقَل بعد ذلك لأقرب الأودية، ثم  يتم تفريغها ونشرها على جنبات الوادي، وكنت قد وضعت استمارات وجداول يتم ملؤها من طرف سائقي الجرافتين وسائقي الشاحنات الثلاث أو الأربع، وهي بمثابة عيوني لتتبع مردودية كل منهم على حدة، وهو الشيء الذي لم يكن يستسغه هؤلاء، وكانوا دائما يتدمرون ويشتكون أمامي من ضعف مصاريف التنقل التي تخصصها لهم الإدارة مقارنة بالأشغال الشاقة والمتعبة التي يقومون بها، ومقارنة أيضا بزملائهم القابعون منهم  والنائمون بين جدران الإدارة داخل مكاتبهم.
والحق يُقال أنني كنت جد متضامن معهم ومتفهم لمطالبهم المستحقة، ولكن ما في اليد حيلة، فلست أنا الذي يحدد مبالغ مصاريف التنقل، ولو كنت كذلك لمنحت هؤلاء أكبر المبالغ لأنهم يستحقونها عن جدارة واستحقاق، وذنوبهم يتحمل وزرها من يعطي لمن لا يستحق أكثر مما يستحق ويعطي لمن يستحق أقل بكثير مما يستحق، وهي سنة سيئة ورذيلة قاتلة للروح المعنوية والعطاء المستمر، ومفهوم مقلوب لمعنى الإدارة، الذي لا زال يعشعش في جسد إداراتنا المريضة المنهوكة لحد الآن.
وبينما كنت أفحص الاستمارات والجداول وأقارن بعضها بالبعض، سمعت صراخا من أحد الحراس الذي كان يقف بعيدا مني بخطوات، وفهمت من خلال كلامه أن السائق الذي كان معي سقط في قناة الروكاد التي يصل عمقها بهذا المكان إلى 3.90 متر منها حوالي متر من الأوحال، فاستدرت نحو القناة ورأيت السائق، الذي كان يبعد منا بحوالي 300 متر، وسط القناة يلوح ويضرب خبط عشواء بيديه، جريت أنا والزميل 'عبدالعزيز' نحو السيارة وأخرجنا منها حبلا طويلا غليظا، ثم أطلقنا سيقاننا للريح نسابق الزمن، وبمجرد وصولنا رمينا بالحبل فتشبت به السائق ثم أخرجناه سالما، فنسينا كليا الاستمارات والجداول وانشغلنا بأمر السائق وسلامته، وحين تيقنت بأنه بخير استعرت جلبابا صوفيا من الحارس وناولته للسائق وقلت له بأن يذهب لخيمته وينزع جميع ملابسه المبتلة ويلبس الجلباب في انتظار أن تجف تحت أشعة شمس يوليو الحارقة، وكما يُقال كثرة الهم تضحك، فما إن رأيت السائق خارجا من الخيمة بالجلباب الصوفي الذي كان يتجاوز كعبيه ويمسح به الأرض لقصر قامته، إضافة للحيته البيضاء الكثة، حتى انفجرت ضاحكا لأنه كان يبدو لي مثل 'بابا نويل' النصارى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق