معظم الخلق من المزورين والثرثارين

"الكرة الأرضية مليئة بالمزورين والثرثارين الذين يستخدمون الكلمات كعملة مزيفة عن سابق إصرار"
                                                                                                     الفيلسوف اليوناني ديموقريطس

في الحياة اليومية يقف المرء على كثير من العيوب الصارخة والعورات الفاضحة في الأحاديث والمناقشات بين الناس، من رفع للصوت أثناء الحديث لحد الصراخ لإخفاء نقص معين أو لفرض فكرة بحد ذاتها بالإكراه والتهديد اللفظي أو الإخضاع السلطوي، دون اللجوء إلى الحجة المبنية على البرهان المنطقي والكلمة الطيبة التي هي كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وتطال هذه العدوى حتى أعلى المستويات في مؤسسات الدولة في المجالس النيابية والاجتماعات الإدارية وغيرها، عندما يتحول النقاش إلى جدل بيزنطي أو حوار للطرشان يتطور تدريجيا لينزلق أحيانا إلى شتم وتهديد ووعيد، وهكذا دواليك حتى الوصول إلى حلبة الملاكمة، ويصل الاستهتار مداه بالمتنطعين الذين يفهمون أكثر من اللازم بقفزهم فوق الكلام، وشنقهم الكلمات شنقا مجرما قبل أن تولد في حلق المتحدثين الآخرين، وعدم إفساح المجال لهم لاستكمال حديثهم، وكأن بهؤلاء الأقوام يقولون لمحدثيهم: "كلامكم غير  مفيد، وعليكم أن تستمعوا إلى كلامنا المفيد"، إضافة لنزقهم النقدي المتسرع دون استيعاب وفهم ما يقصده المتحدث، والذي يفتقد في الغالب لأية موضوعية، و'تكتمل الباهية'  كما يقول المثل الشعبي المغربي، عندما تفقد الجموع هدوءها وعقولها وانضباطها وتركب أحصنتها الأناوية المتعجرفة وتبدأ بالحديث  في آن واحد، لدرجة أن لا أحد يفهم أو يستمع حتى لما يقوله الآخرون، حتى يخيل للمرء أنه داخل حمام شعبي أو في خضم سوق للنعاج تنطق جميعها في آن واحد بصيغة المفرد وتقول 'ماع'.
فبإمكان المرء أن يكتسب الشهرة أو المعرفة أو القناطر المقنطرة من الذهب والفضة أو أن يكتسبها جميعها أو بعضها دفعة واحدة، إلا أنه من الصعوبة بمكان أن يكتسب فن الاستماع والإنصات للآخر دون تعصب أو غضب أو خلفية موروثة شعوريا أو لا شعوريا، وفي هذا الفن بالذات تكمن جمالية لا تضاهيها أية جمالية أخرى لا في المعرفة ولا في الشهرة ولا في الأموال، فهو فن ليس ككل الفنون، لأنه بكل بساطة منهل كبير من التفهم والتقبل الإيجابي الذي يتفادى الاستماع من خلال أفكار جاهزة أو من خلفية معينة، والبعيد كل البعد عن التحيز والتعصب والأناوية وحب الذات المبالغ فيه.
فغالبا ما يقف حاجز أفكارنا واستخلاصاتنا وأحكامنا المسبقة حجرا عثرا بيننا وبين من نستمع إليهم، بينما من الأولى أن ينعم المستمع بهدوء داخلي وصدر رحب، وأن يمتنع عن بدل أي مجهود للإخضاع والاستحواذ والانفراد بالحديث، فالاستماع للمتحدث يتجاوز مدلول الكلمة التي غالبا ما تكون مصدرا للارتباك والبلبلة والتأويلات المتضاربة، ما دام العقل الباطني يعرف تمام المعرفة بأن اللسان يكذب على الكلام، والكلام يكذب على الفكر.
والكلمة أولا وأخيرا لا تعدو أن تكون غير رابط خارجي للاتصال، هذا الاتصال الذي يتطلب انتباها هادئا بعيدا عن ضجيج ومهاترات الكلمات ومراوغاتها الشيطانية، ولا ينعم بفن السماع والاستماع إلا من يحب حقيقة، غير أنه لسوء الحظ من النادر للغاية اللقاء بشخص بإمكانه الاستماع بعناية وانتباه شديد وهدوء، لأن الكل يسعى في صراع مع الزمن نحو تحقيق نتائج وأهداف معينة من شهرة وإثبات للذات واحتكار واستحواذ وتملك، في حروب يومية لا هوادة فيها ولا هدنة... سلاحها الفتاك في غالب الأمر نفاق الكلمة وخداع الصورة.
فالإنصات الجيد ليس سهل المنال لأنه يقتضي أن يلتزم العقل الصمت، وأن يفرغ كل ما يجيش فيه من أفكار متضاربة ومرتبكة ومشككة، وابتداء من اللحظة التي ينصت فيها المستمع للمتحدث باهتمام كبير في غياب أية فكرة مسبقة، يكون حينها في اتصال مباشر لا تكدر صفوه شائبة، في جو تصل فيه الكلمة بهدوء وتتواصل معه العيون التي تتعرى وتفتضح في باطنها بسهولة خيانة الكلمة وهفوات اللسان، وبإمكان المستمع أنذاك أن يحكم على كلام محدثه وأن يرد عليه بالمنطق الهادئ المتزن والحجة الدامغة، وأي صياح بعد ذلك لإثبات أو فرض فكرة بدون منطق ولاحجة ولا برهان، وأي حديث لملإ الفراغ النفسي الكبير الذي يعاني منه الكثير من الخلق في حياتهم اليومية  سوف يكون ثرثرة زائدة ومضيعة للوقت بدون أية جدوى، تتطلب من المرء أن يقف على الفور ويغادر المكان دون أن يلتفت ولو مرة واحدة إلى الخلف، لأنه إذا ظهر المعنى لا فائدة في التكرار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق