لا تأمن ولا تستأمن ولو كنت في بلاد الأمان

من لا يثق كثيرا بالناس لن يندم أبدا، فالتاريخ والتجربة يثبتان بما لا يدع مجالا للشك بأن الإفراط في الثقة يقلل الاحترام ويورث الغباوة والبله وجميع الأمراض المرتبطة بتبلد الدهن، وأن الثقة الزائدة عن اللازم تؤدي بصاحبها عاجلا أم آجلا إلى أن يُصاب بسهم الخيانة فَيُردِيه في الحال، فحتى في الزواج-الذي يعتبر في كل الديانات السماوية أرفع رابط بين شخصين مختلفين فيزيولوجيا وعقليا وفكريا ونفسيا مدى الحياة-لا مجال للثقة الكاملة.. لأن الكمال لله الواحد القهار، ولأنه لا بد من وجود شهود يثبتون الحدث ويدونونه كما هو الشأن بالنسبة لحوادث السير على الطرقات.
والحصول على ثقة إنسان ليست شيئا سهل المنال، فهي بمثابة جري مستمر وراء كسرة خبز وجرع ماء للبقاء على قيد الحياة، تتطلب جهدا جهيدا وصبرا جميلا ولا يتم تجميعها إلا قطرة بقطرة، أما ضياعها فيحدث بسرعة فائقة كالسيل الجارف مرة واحدة، غير أنه بإمكان المرء أن يحصل على ثقة الكثير من بني البشر نفاقا وبسرعة فائقة، لكنه لن يحصل أبدا على أموالهم ولو بقي يتبسم في وجوههم إلى يوم الدين.
وحتى إن كنتُ أومن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره مثلي مثل باقي المسلمين، فمن المفروض علي دائما في كل زمان وفي كل مكان أن أحمل معي مجموعة من المفاتيح أفتح وأغلق بها خزائني وممتلكاتي حتى لا أعض على أصابع الندم لسبب واحد هو أنني لا أثق كثيرا في الناس وهم أيضا لا يثقون بي، وأن أضع حذائي أمامي في المسجد في الصلاة، أنظر إليه وينظر إلي 'شوف في نشوف فيك يا طجين الحوث' في ركوعي وسجودي وقعودي حتى لا تتم سرقته، مثلي مثل الآخرين الذين يظنون أنني سوف أسرق أحذيتهم 'شي منوي من شي'، وأن أكون حذرا يقظا منتبها في الشارع العام من السائقين المتهورين حتى وأنا أسير فوق الرصيف، ومن السكارى والمعتوهين واللصوص وهلم جرا من المصائب والبلايا مثلي مثل الآخرين الذين يظنون أنني متهور أو سكير أو معتوه أو لص.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق