الدالة الأسية The exponential function

" في أوقات الـخُدَع العالمية، قول الحقيقة يُصبح عملا ثوريا"
                                 الفيلسوف والكاتب الإنجليزي فرانسيس بيكون
سوف يواجه العالم خلال السنين القادمة مشاكل عويصة لا قبل له بها، من ازدياد صاروخي في تعداد السكان بدون كوابح، وهو ما عبر عنه الفيزيائي الأمريكي 'ألبرت ألن بارتليت' بتهكم واضح عندما قال: «أكبر عيب في الجنس البشري هو عدم فهمه الدالة الأسية"، نقص في الوقود الأحفوري والمواد الأولية، اضطراب واختلال خطير في الطقس وخروجه عن السيطرة بشكل غير مسبوق، انخفاض ملحوظ في المحاصيل الزراعية، نقص في المياه العذبة ينذر بالخطر في كثير من دول العالم، عولمة جامحة بدون لجام وديون هائلة تدمر اقتصاديات الدول والاقتصاد العالمي برمته.
فمنذ ثلاثة قرون، طغى الرجل الأبيض وتجبر 'وخرجو رجليه من الشواري' كما يقول المثل الشعبي المغربي، ولم يعد في حاجة إلى الله، فاتخذ إلاهه هواه، دين جديد تسلل إلى الغرب المسيحي، ومن تم مباشرة إلى باقي دول العالم جميعها حتى الإسلامية منها ولو ما زالت بها بعض القشور من التدين المغشوش، وتبع القوم الفيلسوف ديكارت الذي ظهر كنبي متكئ على عكازة خاوية متداعية وهو يصيح في البشرية: "أيها الناس إنكم الكل في الكل وبإمكانكم تحويل الطبيعة وتدجينها بشكل لا متناه، فأنتم وحدكم أصل الأشياء جميعها"، وشيئا فشيئا بدأ السم يسري في أوصال الكرة الأرضية، فدخل فيه الناس أفواجا أفواجا، لأن هذا الدين الجديد أبهرهم بعلومه وتكنولوجياته التي حققت أمام أعينهم الكثير من المعجزات التي لم يأت بها نبي من ذي قبل، وببنوكه الربوية لخدمة وثنهم ومعبودهم النقدي الذي أوصلهم إلى رخاء مادي ما بعده رخاء، تقودهم النيولبريالية النقدية بأعين معصوبة نحو الألفية الثالثة للاستقرار بجنانهم الأرضية التي افتقدوها منذ زمان بعيد، غير أن كل هذه العجعجة كانت مجرد خدعة محبوكة ما لبثت أن انكشفت عندما بدأت تظهر على واجهة المعبد التقدمي تصدعات وشقوق غائرة تنذر بانهياره القريب.
ولعل أرفع درس عن قرب انهيار معبد الرأسمالية العالمية هو تداعي هرم الاتحاد السوفياتي في أواخر الثمانينيات بعد كارثة تشرنوبيل المدوية بسنوات قلائل، وهو درس بليغ وعبرة لمن ألقى السمع وهو شهيد على أن أقوى الدول والإمبراطوريات يمكن أن تنهار بشكل سريع عندما يتم تجاوز عتبة من الهشاشة في هيكلها، ثم تَبِعَ هذ العبرة عبرة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها، وتتجلى في الترنح الغربي وسكره الطافح خلال التسعينيات من القرن الماضي بفقاعة الأنترنت والفضائيات وعوالمهما  الافتراضية التي أعدمت الواقع الحقيقي للبشر ومسخت الجانب الروحي فيه حتى أضحى الناس قاب قوسين أو أدنى من مجتمعات القردة والخنازير، فانتشر كالنار في الهشيم النموذج الرأسمالي الغربي في كل بقاع العالم، غير أن هذا 'النموذج' لم يكن سوى وهم وسراب لأنه كل أماله وأحلامه كانت معلقة في عالم افتراضي مليء بالتناقضات الداخلية التي يتعذر بل يستحيل تجاوزها بأدوات منهكة متداعية، فهدف الساهرين على المعبد النقدي أصبح مستحيلا  لأن إنجاز مشروع لا متناه أصبح من المستحيل  تحقيقه أصلا على كوكب منته يلفظ أنفاسه الأخيرة.
والحيوان بفطرته يصبح أكثر عدوانية عندما يُجرح، وعندما يحس أن ساعته قد اقتربت، وما الحروب والنزاعات التي تعصف بالجهات الأربع للكرة الأرضية إضافة للقلق والإجهاد النفسي والمعيشة الضنك التي أصبحت تعيشها البشرية في الوقت الراهن بالرغم من توفرها على رخاء مادي لم يسبق أن عاشت مثله في التاريخ، لهما أرفع دليل على أن ساعة البشرية قد دقت وبدأ عدها العكسي، فالمترفون بدأوا منذ الآن يتحصنون لإنقاذ سلطتهم ومحاولة ضمان استمراريتها لهم وحدهم، فمن جهة هنالك بشر أعلى يحاولون بكل الطرق ضمان سيطرتهم لهم وحدهم فقط، وعلى الجانب الآخر بشر أدنى قُذِف بهم في غياهب الظلمات كرمز لغياب الفكر والتنوير كما يدعون.
وخلال السنين القادمة سيكون من المفروض على الأغنياء مثلهم مثل الفقراء أن يكافحوا ليس من أجل العيش بل فقط من أجل البقاء على قيد الحياة، وبذلك سوف ستتصدع المجتمعات إلى فئة من المسيطرين الحمقى الذين ستكون لديهم أموال كثيرة غير أنهم أجساد بلا أرواح، وفئة من المستضعفين والمعدمين الذين سيكون نهجهم من أجل البقاء على قيد الحياة تصريف أنهار من الدماء في أشكال شتى من العنف والقتل والحقد الشديد كتعويض لهم عن نقص في الأموال ومباهج الحياة، فالعنوان الكبير للحضارة البشرية الحالية يكمن في مقولة الكاتب الروسي ألكسندر سولجستاين: "التقدم اللامحدود لا يتوافق بتاتا مع الموارد المحدودة لكوكبنا، والرخاء المادي يتعاظم بينما يتضاءل التطور الروحي"، ولعل هذان هما السببان الرئيسيان اللذان يأذنان بالانهيار القريب لما يسمى بالحضارة البشرية المعاصرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق