المتشددون: مجانين السنة والشيعة

أطفال الفلوجة: بأي ذنب قتلوا؟
تفجير انتحاري بمحافظة ديالى شمال شرقي بغداد عشية عيد الفطر، سقط فيه عدد كبير من الأطفال  شهداء للهمجية !!!
كل فريق يقول هو شعب الله المختار والفرقة الناجية من النار، ويرمي كل من خالفه بالكفر والزندقة والردة والخروج عن الملة، ويمعن في سبه وشتمه والطعن في عرضه بطرق ساقطة يترفع عن ذكرها حتى الشيطان، كما فعل اليهود وما زالوا يفعلون مع باقي الأمم التي ليست على ملتهم، وعندما يتمكن أي فريق من الفريق الآخر يذبحه أو يحرقه أو يمثل بجثته، فهل هذا هو الإسلام الذي جاء به خير البرية النبي محمد عليه الصلاة والسلام؟، لو كان كذلك لبقي هذا الدين محصورا بين جدران مكة في نفر قليل من الناس ولم يبرح الجزيرة العربية إلى يومنا هذا.
لقد تتبعت، غير ما مرة من باب الفضول ليس إلا، برامج على فضائيات دينية سنية وشيعية، وما صدمني في هذه البرامج هو سكبها الزيت على النار في عقول الناس المساكين، من خلال تحريك جراح غائرة في التاريخ الإسلامي، الذي لم يكن كله جميلا عكس ما يدعيه وعاظ السلاطين، جراح لم تندمل بعد نتيجة تراكمات الأحقاد والبغضاء، التي لعب فيها التحريض الطائفي الـمُلَبَّس لباسا دينيا دورا طلائعيا  بتخريج أحاديث تحرض كل طرف على الآخر وتخرجه عن الملة، ومن تم إذكاء روح الحقد والعداوة والبغضاء، وتأجيج نار صراع مذهبي طائفي مقيت قد يحرق المسلمين برمتهم بنفطهم وقدهم وقديدهم.
فمن رخص لهؤلاء المجانين أن ينوبوا عن الله في محاسبة الناس على سرائرهم وتكفيرهم؟، ومن وكلهم  بذبح الناس وقتلهم شر قتلة وهتك أعراضهم وسلب ممتلكاتهم؟، وبـأي ذنب يتم قتل الناس الأبرياء المستضعفين في الشوارع والأسواق وفي منازلهم وهم نيام؟، لا فرق بين طفل وامرأة وشيخ ومريض ومعوق ومقعد، فهل هذا هو الإسلام؟، فحتى لو افترضنا أن هؤلاء الأقوام مقاتلون أو مجاهدون  يدافعون عن أنفسهم  وعن أعراضهم كما يدعون، فالشريعة الإسلامية ضبطت مسائل القتال والجهاد بقواعد أخلاقية ومبادئ أدبية منضبطة،  كعدم الاعتداء على الناس الأبرياء والمستضعفين بدون وجه حق  وبدون ذنب اقترفوه، لأن الله سبحانه وتعالى العَدْلُ حرم الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرما، والله لا يحب المعتدين، سواء كانوا من السنة أو من الشيعة.
ومن المقالات التي لا تتقادم مهما مر عليها الزمن وتبقى صادحة مدوية لأنها تنطوي على حقائق ساطعة وحجج وبراهين دامغة ما عبر عنه الكاتب السوري خالص جلبي في مقال بعنوان الصراع المذهبي: " في النقاش الذي كان يدور بين 'جيمس سواكرت' القس الأمريكي وأحمد ديدات الشيخ الهندي كان يحاول كل منهما أن يثبت للآخر أن دينه خطأ، فأما 'سواكرت' فقال لقد سألت الشيخ قبل دخول القاعة عن عدد النساء اللواتي بحوزته، وأما ديدات فقد استخرج نصا من العهد القديم وقال أتحدى 'سواكرت' أن يقرأ هذا النص ولسوف أعطيه مائة دولار إن قرأ النص، فقام 'سواكرت' بقراءة النص وقال إن مال هذا الشيخ من دول البترول ونحن أولى بالمال لإعطائه للجمعيات المسيحية، وفي النهاية طلب 'سواكرت' من ديدات أن يسمح له بمناظرة علنية في بلده كما دعاه إلى أمريكا، إلا أن ديدات قال له إن هذا يحتاج لتأشيرة دخول وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، كان الاثنان يحركان قضايا قديمة بكلمات جديدة والدخول إلى غابة مليئة بالغيلان.
وفي يوم تناقش أمامي طبيبان حول مريض هل كانت مشكلته في الزائدة أو الكولون فاختلفا واشتدا في الخلاف، وفي اليوم التالي جاء كل واحد منهم ومعه أكداس من الكتب والمراجع ليثبت وجهة نظره، فلم يحصدا من النقاش سوى الكراهية وقاطعا بعضهما بعضا وحاولت أن أقرب بينهما فعييت.
وجوهر المسألة أن الخلافات لا تحلها الكتب ولا تنفع فيها كل الأدلة العقلية والنقلية، وما يفعله كل فريق في العادة هو البرهنة على حجته ولو افتقدت كل حجة، فالمسألة نفسية قبل أن تكون أكاديمية، وهو الذي خالف فيه 'يونج' ' Jung’ أستاذه فرويد في علم النفس فقال إن أصل الدوافع عند الإنسان ليست الغريزة الجنسية بل التنافس، ويبقى حب الحقيقة أمر صعب المنال ويحتاج لجهاد نفسي طويل وهو قريب من المستحيل وهو ما يفسر خلاف البشر الأزلي.
واعتبر المؤرخ 'توينبي' أن المؤرخين أميل لتوضيح آراء الجماعات التي يكدحون في محيطها منهم إلى تصحيح تلك الآراء، وكل منا متحيز وقد يكون أقلنا تحيزا من ينتبه إلى نفسه أنه متحيز، وأنا أتعجب من الجدل العقيم الذي يدور في المحطات الفضائية حينما يحتجون أن أمريكا وبريطانيا تكيلان بمكيالين، ولو كان الأمر للعرب لكالوا بثلاثة، وعندما كان الخليفة هارون الرشيد في بغداد يلعب بالمسبحة وأقدار الأمم وهو يقول للغمامة أمطري حيث شئت فسيأتي خراجك، فإن هذه الجملة نعتبرها تراثا إسلاميا يستحق التدريس في المناهج، ولا يخطر في بالنا أشلاء الجماهير التي تقدم هذا الخراج للسلطان.
وفي يوم تناقش أزهريان، واحد سلفي وآخر صوفي، وامتد النقاش بينهما وفي النهاية بقي كل منهما كما كان، واعترف الصوفي لاحقا أنه اقتنع بحجة خصمه ولكنه كابر، ولم ينقص الكافرين الحجة البينة ولكن جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا.
وروى لي رجل من حزب التحرير الإسلامي أن المعتقل ضمه مع آخر شيوعي فتناقشا لمدة عشرة أيام ولم يستريحا إلا لتناول الطعام والنوم، وفي النهاية بحت الحناجر فلم يستطيعا النطق ومتابعة النقاش.
وفي يوم اجتمعت بشاب من جماعة الإخوان المسلمين، وكانت مجلة الدعوة تتحدث عن الثورة الإيرانية بشيء من الريبة فحاولت أن أناقش الرجل، ولكن ساعتين من النقاش أقنعتني ألا أناقش حزبيا في حياتي وهي نصيحتي للجميع.
وفي يوم ناقشت معجبا بكتابات سيد قطب وذكرت له أن هناك استطرادا أدبيا في كتاباته، وأن 6000 صفحة من الظلال يمكن ضغطها في 200 صفحة، فكان جوابه أن كلماته مثل قوانين الفيزياء ونجوم السماء لا يمكن الاستغناء عن كلمة منها، قلت له ولكنه يصف الليل بست صفات، قال وما المانع ويمكن وصفه بست عشرة صفة؟
وفي يوم اجتمع صوفي مع شيوعي فكان الأول يتحدث عن آداب الحضرة والثاني عن فائض القيمة ولم تكن اللغة حاجزا بينهما فالاثنان يتكلمان بلسان عربي مبين ولكن موجة الحديث مختلفة فكان حديثهما حديث الطرشان.
ويروى عن اثنين من الطرشان أنهما اجتمعا فسأل الأول الثاني: إلى أين أنت ذاهب؟ قال الثاني: إلى السينما، قال الأول: ولكن ظننتك ذاهبا إلى السينما، قال الثاني: لا والله أنا ذاهب إلى السينما، وبعد ساعة اجتمعا في صالة السينما فأشار كل منهما إلى أذنه.
وفي حرب الخليج الثانية احتشد مؤتمران لمناقشة الأزمة ضما نخبة فقهاء الأمة، كان الأول في جدة والثاني في بغداد، فلم تحل النصوص أو الفقهاء المشكلة بل حلتها أمريكا بدون نصوص و لا فقهاء.
 في يوم فكرت بالصراع الشيعي السني حول خلافة علي رضي الله عنه، فقلت مع نفسي سائلا لو أن عليا ولي الأمر فما هو السيناريو المحتمل بعده؟، أن يأتي ابنه ثم ابن ابنه وهذا سوف يدخلنا النظام الملكي، وفي معركة صفين رفع الأمويون المصحف على رؤوس الرماح طلبا للتحكيم، وآخر ما كان يفكر فيه الفريق الأموي هو القرآن، ولم يكن المقصود من القرآن الحقيقة بل التقاط الأنفاس لمتابعة خطف السلطة، والتاريخ يروي لنا بسخرية أن الذي فاز لم يكن أعدل القوم وأنزههم، وما زال تاريخنا مسلسل محموم دموي من قنص السلطة على الطريقة الأموية، وكل من فكر في حل المشكلة استعار السيف الأموي، فلم تزدد الأمور إلا خبالا والأوضاع إلا نكسا، ولم يتمكن أحد من إعادة الحياة الراشدية واعتماد آلية نقل السلطة السلمي إلا عندما أشرقت الشمس من مغربها عبر الأطلنتي، فبدأنا نسمع لأول مرة أن بوش يمضي ويأتي كلينتون بدون معركة صفين و لا معركة الجمل.
وما زال الشيعة والسنة يتخاصمون حول ولاية علي مع أن القرآن يقول: "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون"، كمن يتناقش حول طرق الزهراوي في معالجة أمهات الدم ولم يطلع على كل تطور جراحة الأوعية الدموية، وهو نموذج يجعل المطلع يأسف والعدو يشمت، وهو يشير إلى توقفنا في مربع الزمن، والسؤال الكبير أي فائدة لنا لو أثبتنا أن عمرا كان متآمرا أو أن حديث الغدير كان صحيحا، فلم يبق اليوم على ظهر الأرض أموي أو خارجي وإن بقي شيعي يبحث عبثا عن مخاصمة أموي، كما يفعل اليهود بقتال روما و'تيطس' ولم يبق 'هارديان' و'تراجان'.
إن معالجة أمراض قديمة بأدوات فشلت تجربتها يعني التخلص من كل المسلمات القديمة وفتح كليات طب جديدة تناسب حل المشاكل بأدوات جديدة وترك التاريخ موعظة للمتقين ودليلا على رحلة تطور الإنسان، وأن آباؤنا لم يكونوا خير البرية.
اليوم تضم أوروبا المتحدة الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس ولكن لا أحد يرجع إلى 'كلفن' و'بطريرك' الشرق ولا يحكم 'يوحنا الثالث' أكثر من كيلومتر مربع لحسن الحظ، أما نحن فما زلنا مثل الصرب مجمدين في مربع الزمن، وإذا كان الصرب مجمدين عند معركة 'أمسل فيلد' عام 1389 فنحن مجمدون أبعد منهم وعيوننا تحدق على معركة صفين قبل 1400 سنة.
يصف ابن كثير معركة صفين بأن القوم اقتتلوا بالرماح حتى تقصفت وبالنبال حتى فنيت وبالسيوف حتى تحطمت ثم صاروا إلى أن تقاتلوا بالأيدي والرمي بالحجارة والتراب في الوجوه وتعاضوا بالأسنان، وكان أشد القتال ليلة الهرير ما يذكر بهرير القطط حيث استمر طول الليل حتى شروق الشمس وقُتل من الفريقين فيما ذكره غيره واحد سبعون ألفا، خمسة وأربعون ألفا من أهل الشام، وخمسة وعشرون ألفا من أهل العراق، وهو رقم يذكر بمعركة كربلاء خمسة بين العراق وإيران، فقد قُتل ستون ألف شاب بقدر النسبة السابقة، ويذكر ابن كثير أنه كان من القتلى 25 بدريا مع بلال، وهو أكثر ممن قتل من الصحابة في معركة بدر، وامتدت فترة القتال سبعة وسبعون يوما خاض فيها القوم تسعين زحفا، وقال الزهري إنه كان يُدفن في القبر الواحد خمسون نفسا.
جمعت الأجمة يوما حصانا ووزة، فضحكت الوزة من الحصان وقالت له أنا خير منك خلقني الله أحمل صفات الطيور والسمك، نظر الحصان إليها باستخفاف وقال أيتها المخلوقة أمثلي تعيرين فلا مشيتك مشي ولا تزيد سباحتك عن عبث، ولكن انظري إلى عضلاتي ورشاقتي التي مجدها الأبطال، أنا الحصان الرائع من قهر به الهكسوس الحضارة الفرعونية وهزم به المغول إمبراطوريات الأرض ودمر بي الإسبان ممالك أمريكا الوسطى، وكانت أثناء هذا الحديث قبرة تسمع الحديث بينهما فقالت لهما: أنا في من الخصال ما أتفوق به عليكما جميعا فصعق الاثنان من مائة صفة ترويها القبرة عن نفسها، وأثناء هذا سمع الضبع حديث الثلاثة فقال أنا من اختلفت قوائمه وفاحت رائحته وأسناني تطحن الحجر ويخافني الطير والبشر.
وهكذا فمن أراد التفاخر اكتشف الكثير، ومن أراد كشف الأخطاء عثر على أكثر، ولكن العين عادة لا ترى بل الدماغ، وأعظم شيء يتحلى به المرء نقذ ذاته، والشيطان قديما قال عن نفسه أنا خير منه، ولكن آدم قال رب إني ظلمت نفسي، فهذا هو سر تفوق الإنسان."

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق