أكبر كذبة في القرن الواحد والعشرين

حتى يناير 2014 تم إحصاء ما يفوق 1600 موقع للتواصل الاجتماعي عبر العالم، 20 منها يتجاوز عدد مستعمليها 100 مليون فرد، وقد تم احتساب ساعتين كوقت متوسط يقضيه كل فرد يوميا وهو يخربط ويضرب أخماسا بأسداس في هذه المواقع، وإلقاء نظرة عن كيفية تحريك أرباب العالم المتحكمين في وسائل الاتصال والبشر قد تُصيب المرء السليم العقل بالدوخة والدوار فيعجل بجمع حوائجه والصعود قمة جبل موحش بعيدا عن كل هذا الاستهتار:
أشهر هذه المواقع هو الفيس بوك الذي تأسس سنة 2004 ويحرك أزيد 2 مليار من الخلق، 60 % منهم يستعملونه مرة واحدة في اليوم على الأقل وال 40 % المتبقية منهم مربوطون به لدرجة الهوس ولا يجدون عنه حبيبا ولا بديلا، وقد بلغ عدد المتصلين بهذا الموقع عبر الهواتف المحمولة 50 % من المستعملين، ويتم نشر 4.75 مليار محتوى و350 مليون صورة يوميا، وإرسال 10 ملايير رسالة إلكترونية يوميا، وتداول 1.80 مليون 'أعجبني' في الدقيقة و4.50 مليار في اليوم.
أما اليوتيوب موقع تشارك الفيديو الشهير الذي انطلق سنة 2005، فله ما يفوق مليار من المستعملين، تتم من خلاله إضافة 100 ساعة من الفيديو كل دقيقة، وتتم مشاهدة أكثر من مليار فيديو كل يوم، وكما هو الشأن بالنسبة للفيس بوك فاليوتيوب هو الآخر بلغ عدد متصليه عبر الهواتف المحمولة 40 % من المستعملين، وأكثر من 3 ملايير ساعة من الفيديو تتم مشاهدتها كل شهر.
أما تويتر الموقع المشهور بالتدوين المختصر والرسائل القصيرة الذي انطلق سنة 2006، فقد بلغ عدد حساباته النشطة 570  مليون، وقد تم عبره إرسال 175 مليون رسالة قصيرة في المتوسط يوميا سنة 2012، و 400 مليون تغريدة سنة  2013، سرعان ما انتقلت إلى 500 مليون تغريدة سنة 2014، وقد تم إرسال 163 مليار تغريدة منذ إنشاء هذا الموقع، وكل حساب نشط بهذا الموقع يتابع في المتوسط 51 فردا لا يعرف عنهم شيئا البتة باستثناء أنهم أصدقاء افتراضيون،  وهناك 32 % من مجموع المبحرين عبر الشبكة من يستعملون تويتر، 75 % منهم يتصلون عبر الهواتف المحمولة، غير أن إحدى خصوصية تويتر التي تميزه أكثر هي وجود 44 % من المسجلين على الموقع الذين لم يرسلوا أية تغريدة أبدا، ووجود أيضا ما يناهز  400  مليون حساب لا يتابعه أحد أي ليس لدى أصحاب هذه الحسابات أصدقاء  أو معجبين بالمعنى المتداول عند المبحرين.
أما غوغل + الذي أرادت شركة غوغل من خلاله منافسة الفيس بوك فقد بلغ عدد مستعمليه 500 مليون فرد نشط، يزدادون كل يوم ب 625.000 مستعمل جديد، وبلغ عدد مرات استعمال زر 'مشاركة' 5 ملايير مرة يوميا، ويقضي كل فرد 7 دقائق في المتوسط على هذا الموقع، ويتصل 60 % من المستعملين يوميا بالموقع.
ونأتي الآن على موقع لينكد إن الذي تأسس في ديسمبر 2002 وبدأ تشغيله في مايو 2003، ويصنف هذا الموقع في خانة الشبكات الاجتماعية المهنية التواصلية، بلغ عدد مستعمليه 238 مليون عضو، 67 % منهم يستعملونه كشبكة مهنية رئيسية، وقد تم إنجاز أكثر من 5.30 مليار بحث سنة 2012 على هذا الموقع، وتم إنشاء أكثر من 15 مليون مجموعة مهنية وغيرها، وتوجد عليه صفحات أكثر من 3 ملايين شركة.
وأمام هذا الطوفان الرقمي العابر للقارات على المرء أن يقرأ ويستوعب بسرعة الضوء كي يبقى محين الأفكار ومسايرا لروح العصر، لأن ما يقع خلال 60 ثانية يتجاوز قدرته على الفهم والإدراك بسنين ضوئية:
-      72 ساعة من الفيديو الجديد على اليوتيوب،
-      277.000 تغريدة جديدة،  
-      2.50 مليون محتوى جديد على الفايسبوك،
-      204 مليون رسالة نصية جديدة،
-      3.500 صورة جديدة على الشبكة الاجتماعية لمشاركة ونشر الصور بينترست
وليس هذا فقط فهنالك المزيد:
-    بيع 700 حاسب آلي
-   خلق 2.000 جيجابايت من البيانات،
-    بيع 1.000 أيفون و 100 بلاك بوري،
-    بيع 4000 مفتاح USB،
-   بيع 2.500 خرطوشة حبر،
لقد غير الأنترنت ووسائل الاتصال الاجتماعية العالم تغييرا جذريا نحو الأفضل في عدة ميادين إلا أن ضريبته في تدمير أساليب الكينونة القديمة المبينة على الدين والقيم والأخلاق والتراحم والود بين الناس كانت غالية... بل غالية جدا، وحلت محل تلك القيم المُفْتَقَدَة قيم أخرى مبنية على نظرية 'أعطيني أعطيك': هدية بهدية، وضحكة بضحكة، وإعجاب بإعجاب، في أعظم تزوير لمعنى الصداقة التي تم تدجينها وتحويلها إلى مطية للإثراء السريع للحيتان الكبرى من أصحاب مواقع التواصل الاجتماعي، التي حولت المنتسبين إليها إلى قاعدات ضخمة للبيانات لا تقدر بثمن، والنصيب يكون لمن يدفع أكثر من البقشيش لإمبراطوريات الإشهار.
فيما مضى كان للصداقة طعم آخر، وكانت علاقة الناس فيما بينهم قبل عصر الأنترنت تنقسم إلى عدة فئات، كانت العائلة وأواصر الدم تحتل مكان الصدارة، ثم هناك المعارف من جيران ابتداء من الجار الجنب حتى الجار الأبعد، ثم الزملاء في العمل الذين تكون العلاقات معهم محدودة نسبيا ولا تتعدى مواضيع العمل وبعض المجاملات، ثم الرفقاء من نفس السن الذين تشاركهم ويشاركونك هواياتك وحماقاتك وهوسك، وفي مكان خاص لا يدخله ولا يطلع عليه أحد يتم وضع الصديق الوفي الذي يقاسم جميع مراحل حياتك أو أنت نفسك إن لم تجد مثل هذا الصديق، ويكون دائما حاضرا في الظروف الصعبة والأزمات، ويكون في طليعة الفارحين بالأنباء والأخبار السارة عنك، غير أنه مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي تغيرت الأمور واستدارت بزاوية 180 درجة، فكل الذين تعرفهم من قريب أو من بعيد هم أصدقاءك على نفس المستوى، ويظهر جليا أن أصدقاء مواقع التواصل الاجتماعي لا يتطابقون مطلقا مع المفهوم القديم للصداقة، وأن صداقة على الفيس بوك مثلا لا يمكنها أن تكون متطابقة مع صداقة خارج الاتصال عندما ينقطع فجأة الأنترنت أو عندما تقطع وكالة الماء والكهرباء التيار الكهربائي عن منزلك لأنك لم تؤد الفاتورة الحامضة، ففي الوقت الذي يبدو فيه البحث عن صديق حقيقي واحد في الواقع المعاش كالبحث عن إبرة في كومة قش، تُغري مواقع التواصل الاجتماعي مرتاديها ومنتسبيها بأصدقاء افتراضيين لا لون ولا طعم لهم يحسبون ب'العرارم'، وهذه لعمري لهي أكبر كذبة في القرن الواحد والعشرين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق