أمثال شعبية مغربية 12

بْنَادَمْ وَالْفَارْ لاَ تُوَرِّيهُمْ بَابْ الدَّارْ
الفار أي الفأر، لا توريهم تعني لا تدلهم على، ومن المعلوم أن العدو اللذوذ للمنزل هو الفأر، لأنه متى وُجِدَ فأر في منزل ما إلا وشن على مأكله ومشربه وفراشه وخشبه وجدرانه معارك طاحنة، كذلك حال البعض من البشر الذين متى دللتهم على باب منزلك، ثم استطابوا بعد ذلك المجانية في المأكل والمشرب وأحيانا حتى في المبيت، قاموا بمثل ما يقوم به الفأر، فْكُلْ وَقْتْ مْسَاكُمْ هَا حْنَا جِينَاكُمْ (يا لطيف).
مَا زَالْ اللِّيلْ ِإيطُولْ وِيصَعْصَعْ وُتْوَلِّي فِيهْ تْسَعْ شْهُورْ، تَتْزَوَّجْ الَمْرَاة 
عَنْدْ المْغَرْبْ وُتُـوْلَدْ لِكْ وَقْتْ السّْحُورْ
يِصَعْصَعْ يعني يتقوى ويشتد، السّْحُورْ تعني وقت السُّحُور، ويُضرَب المثل للدلالة عن العصر الذي سوف يمر فيه الزمن بسرعة فائقة لدرجة أن الـمرء السليم العقل يتلف عن القبلة، ولا يعود يدري أمر عليه يوم أم شهر، شهر أم سنة، أما أن يصبح الليل  مساو لتسعة شهور بالتمام والكمال، فإن ذلك بدون شك أمر جلل سيؤدي بالعالم كله إلى الجنون الجماعي، لأن المولود الجديد هو الشيطان بعينيه.
الحَاكَمْ وَخَّا بْهِيبْتُو كَتْشَتْمُو النَّاسْ فْغِيبْتُو
وَخَّا تعني هنا ولو، وهنالك كثير من الخلق جبناء ونمامون، والتاريخ سيد الشاهدين، لأنهم لا شجاعة ولا جرأة لديهم لانتقاد حكامهم ورؤسائهم بين أيديهم وفي وجوههم، غير أنهم بمجرد ما يختفون عنهم يصبحون أبطالا في الجبن  عندما يكيلون هؤلاء شتى أنواع السب والشتائم والانتقاذ.
إِيلاَ حَلْفُوا فِيكْ النْسَا بَاتْ جَالَسْ، وِيلاَ حَلْفُوا فِيكْ الرْجَالْ بَاتْ نَاعَسْ
يضرب المثل عن كيد النساء وعدم نسيانهن الإساءة  إليهن، فعلى من قام بذلك أن يتحمل ردة فعل ما جنت يداه،  وأن ينتظر بأن يُرَد إليه الصاع صاعين أو أكثر، والبادئ أظلم، ورحم الله الشيخ سيدي عبدالرحمان المجذوب الذي قال في ذلك:
حْــــــــــــدِيثْ النْسَا يُوَنَّسْ    وُيـْــــعَــلَّــــــــــــــمْ الفْهَـــــــــامَــــــة
إِيدِيرُوا شَرْكَة مَنْ الرِّيحْ    وُيْحَسّْــــــنُوا لِـــكْ بْلاَ مَـــــا
الطَّـــعْـــنْ بَالْخْنَاجَرْ وَلاَ حْكَـــامْ الَحْنَاكْرْ
الخناجر مجموع خنجر وهي سكاكين حادة متوسطة الحجم للدفاع عن النفس، كان المغاربة القدماء الرجال الأحرار يسمونها بالكُمِّيَّة، وقلما كنت ترى رجلا لا يتأبط خنجره في غمده الفضي اللامع، أما الحناكر فهي كلمة عامية مغربية وهي جمع حَنْكُورٌ، والحنكور هو الإمعة التافه العديم التربية والأدب واللياقة والسيء الخلق مع الناس، فالمرء يمكنه أن يتحمل الطعن بالأسلحة البيضاء غير أنه لن يتحمل أبدا أن يحكمه ويتولى أموره حنكور من الحناكر، وما أكثرهم في هذا الزمان.
كُلْ وَاخْرَا مَا فِيهْ فَشْرَا
الفِيشْ والَفْشَرْ هو الافتخار والتبجح والأبهة الخاوية (اللباس والمظهر الخارجي ومن تحتهما الخواء)،  وفي ذلك قال شيخ الملحون المغربي أنجار السلاوي في قصيدة 'ناكر الإحسان':
شَــــــــــــــفْتَــــــــكْ جِــــــــــيـــــتِي زَرْبَانْ     غَرُّوكْ اَصْحَابْ الْفِيشْ وَالَفْشَرْ
مَنْ لاَ لِيــــهُــــــــمْ شَــــــــــــــــــــــــــــــــانْ     فَنْـــــــــهَــــــــــــــــارْ اَلــــــــــــــضَّــــــــدّْ اِيـــغِـــيـــبُو
لَـــــــــــــــكِــــــــنّْ سِــــــــــــــــرْ أُكَــــــــــــــانْ     لاَ بُدّْ اَكْــــثِــــيرْ اَلــــــــجَّهْدْ يَنْكْسَرْ
مَنْ بَـــــــــعْـــــــــدْ اَلــــــــــدِّيـــــــــــــــــدَانْ     سِــــــيسَـــــــــــانْ الَـــــــــغْـــــــدَرْ إِيـــــرِيـــــــبُــو
فسواء أكل المرء  الكلمار في صحون مذهبة وبواسطة سكاكين وشوكات هي الأخرى مذهبة، ثم احتسى شمبانيا في كؤوس من البلور الفاخر فالنتيجة في النهاية سوف تكون مشابهة تماما للذي أكل صحنا من البيصارة (أكلة شعبية مغربية من الفول) في إناء من التراب وأتبعه بشاي مغلي في إبريق من القصدير، لأن كل ما نزل في بطونهم يتحول في أقل من ست ساعات إلى خراء منفر كريه الرائحة، وليس هنالك أي ذكر ومنقبة للافتخار والتبجح بما ينزل إلى البطن، ورحم الله امرءا عرف ضعفه فيما تختزنه مصارينه من قذارة ونجاسة. 
الحُبّْ إِيلاَ طَالْ كَيْوَلِّي هْبَالْ
هْبَالْ تعني حُمْق، ولعل أبلغ مثال على أن الحب إن طال يتحول إلى حمق وجنون يتجلى في شاعر الغزل قيس بن الملوح المشهور بمجنون ليلى العامرية التي هام بحبها وعشقها فرفض أهلها أن يزوجوها له، فتحول حبه مع مرور الأيام بالفعل إلى حمق وجنون ومس خطير، فهام على وجهه منشدا ومتغنيا بحبه العذري بكل مكان حل به.
بْحَالْ الطْبَلْ جُوفُو خَــــالِي وُصُوتُو عَـــــالِي
بـْحَالْ تعني مِثْلَ، جوفو أي جوفه وداخله، ومن المعلوم أن الطبل يعتبر من الآلات الإيقاعية التي لها صوت قوي يُسمع حتى من أماكن بعيدة جدا، لذلك كثيرا ما استعمله البشر في المعابد والأعراس والاحتفالات والحروب، ويضرب المثل للمرء الثرثار الكثير الكلام الذي لا ينقطع عن الحديث وهو فارغ وخال من الداخل، ما ينقصه عمقا يُصَرِّفُهُ طولا متريا باللسان.
مَلِّي طَلْعُوا الحْمِيرْ لَلْمَلْعَبْ ابْقَوْا الخِيلْ وَاقْفِينْ
الـخيل في نواصيها الخير، لكن عندما تتقدم الحمير على الخيل في جميع الميادين، فاعلم حفظك الله أن  ذلك يأذن بفساد كبير، ويُضْرب المثل لـَمَّا تُسْنَدُ الأمور لغير أهلها، مما يتسبب في اضطراب الموازين واختلالها، ولقد عبر عن ذلك أبلغ تعبير سيدي عبدالرحمان المجذوب لما قال: "تـْخَلْطَاتْ وَلاَ بْغَاتْ تَصْفَى، وُطْلَعْ خَزّْهَا فُوقْ مَاهَا، رِيَّاسْ عَلَى غِيرْ مَرْتَبَة هُمَا سْبَابْ خْلاَهَا"، ويقصد بذلك أن الأمور اختلطت واضطربت ولم تعد صافية، وطلع خزها فوق مائها، فصار هنالك رؤساء بدون مصداقية ولا أهلية ولا قوامية، مما تسبب في فساد حياة الناس واضطراب المجتمع.
جَبْنَا لَقْرَعْ يُوَنَّسْنَا عَرَّى صْلَعْتُو وُخْلَعْنَا
غالبا ما ينخدع المرء بالمظاهر الخارجية للناس ولا يدرك ما يختلج بدواخلهم من مكر وخداع، مثلهم كمثل الأصلع الذي طلبناه ليؤنسنا فلما رفع غطاء رأسه بانت حقيقته وأفزعنا بصلعته. 
حْسَبْنَا كَرْمَة وُفِيهَا الكَرْمُوسْ وُجَدْنَا خَرْبَة وُفِيهَا النَّامُوسْ
حسبنا تعني ظننا، كرمة هي شجرة التين والكرموس هي فاكهة التين، والمثل يُقْصَدُ به أن ليس كل ما يلمع ذهبا، ومن الخلق من يظهرون عن بعد لامعين متلألئين تحيط بهم الأضواء والصيحات والإعجاب من كل جانب، غير أنهم بمجرد ما يختفون عن الأنظار ويفعلون ما يفعلون حتى يدرك المرء مدى وقاحتهم وحقارتهم وانحطاطهم، لذا شبههم المثل بالخربة المليئة بالناموس، وبطبيعة الحال فالناموس لا يعيش إلا في الأماكن القذرة لأن الطهارة تقتله.
إِلاَ حَكْمَاتْ عْلِيَّ أَيَّامِي مَا يَنْفَعْنِي لاَ اسْتِئْنَافْ وَلاَ قَاضِي وَلاَ مُحَامِي
الحاكم والقاضي والمحامي فانون زائلون كباقي البشر، ولا يبق إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام، فماذا باستطعاة الحاكم والقضاة والمحامين أن يفعلوا بوجه القضاء والقدر، فهم مجرد أدوات مسخرة خدمة لهذا القضاء والقدر، ولا زلت أتذكر لقطة شدني إليها كثيرا فيلم عمر المختار لما وقف أسيرا مكبلا بالسلاسل أمام الجنرال الطلياني 'غرازياني'، غير أن سنوات الرجل  السبعين لم تمنعه من الوقوف منتصب القامة مرفوع الهامة كالطود الشامخ بدون أدنى شعور بالخوف أو بالدونية، فبدأ جنرال زمانه القوي يهدده بسأفعل بك كذا وكذا، فاستدار نحوه عمر المختار بكل ثبات ورباطة جأش وحدق فيه جيدا وقال له مقولته المدوية: "أنت لن تفعل بي إلا ما كتبه الله لي"، فَزُلزِل 'غرازياني' زلزالا عظيما لـِمَـا سمع،  عندها تلطف مع عمر المختار وغير من نبرة كلامه وخاطبه بأدب واحترام ودعاه إلى الجلوس، وما أروع قول الإمام الشافعي:
دَعِ الْأَيَّامَ تَفْــــعَــــــــــلُ مَا تَشـَـــــــــــــــــاءْ     وَطِبْ نَفْساً إِذَا حَـكَمَ القَــــضَـاءْ
وَرِزْقُـكَ لَيْسَ يَنْقُصُــــــــــــــــهُ التَّــــــأَنِّي     وَلَيْسَ يَــــزِيدُ فِي الــــــرِّزْقِ العَــــــــــــــنَاءْ
إِذَا مَا كُنْتَ ذَا قَلْـبٍ قَنُــــــــــــــــــــوعٍ     فَأَنْتَ وَمَــــالِـكُ الـــــدُّنْيَـا سَـــــــــــــــــوَاءْ
وَمَـنْ نَزَلَتْ بِسـَــــــــــــاحَتِهِ المنَايـَــــــــــا     فَلاَ أَرْضٌ تَقِيـــــــــــــهِ وَلاَ سَـمـَــــــــــــــــاءْ
وَأَرْضُ الله وَاسِعـَــــــــــــةٌ وَلَكِـــــــــــــــنْ     إِذَا نَزَلَ الْقَـــــضَـا ضَاقَ الْفَـــــضَــــاءْ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق