عصر الانهيارات العظمى


في الفترة الزمنية ما بين بداية تآكل الإمبراطية الرومانية مع مطلع القرن الثاني للميلاد قبل سقوطها النهائي والمدوي في أواخر القرن الخامس، ورحلة كريستوف كولومبوس عبر المحيط الأطلنتي لاستكشاف القارة الأمريكية سنة 1492 م، مرت زهاء 1300 سنة، لم يزدد فيها سكان الكرة الأرضية سوى بمقدار 200 مليون نسمة، أما في العصر الخبيث عفوا الحديث فإن نفس النمو الديمغرافي الذي تطلب في الماضي 13 قرنا صار يحدث في ثلاث سنوات فقط، نعم 3 سنوات 'ما كاين غير كل وفرخ' كالأنعام أو أشد ضلالا.
وبالرغم من التقدم العلمي والتكنلوجي الذي حققته البشرية ابتداء من عصر النهضة الذي استمر تقريبا من القرن الرابع عشر الميلادي حتى القرن السابع عشر،  ثم عصر الثورة الصناعية الأولى التي ابتدأت منذ منتصف القرن السابع عشر الميلادي حتى نهاية القرن التاسع عشر، ثم مرحلة الثورة الصناعية الثانية أو الثورة التكنولوجية التي ابتدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الأولى، ثم مرحلة الثورة الصناعية الحالية التي تندفع اليوم بقوة الوقود الأحفوري الذي يكاد يخنق رئتي العالم ويدخله إلى غرفة العناية المركزة، شهد كوكب الأرض لأول مرة كوارث من صنع الإنسان لم يسبق لها نظير في تاريخ البشرية من حيث التلوث وتدمير الغابات والنظم الإيكولوجية وانقراض أنواع شتى من الحيوانات في ظرف زمني وجيز.
فبالرغم من الأصباغ والديكورات والماكياج والأضواء الساطعة التي تلطخ به (الحضارة) المعاصرة وجهها كي تظهر بصورة حسناء جميلة غير أنها مريضة بالأيدز، فإن حجم القاذورات والأزبال التي تلفظها البشرية في مكبات النفايات والوسط الطبيعي صادمة بكل المقاييس، وتظهر بما لا يدع مجالا للشك  عن قذارة وعفونة هذه (الحضارة)، وذلك  على الرغم من الاختراعات التقنية 'الهاي تيك' العالية الحداثة والعصرنة التي تمني بها نفسها، فهي تنتج ما بين 3400 و 4000 مليار كيلوغرام من النفايات والقاذورات في السنة، أي ما بين 80 و 126 طن في الثانية الواحدة، ومن المنتظر أن ترتفع هذه الحصة بما نسبته 40 % في أفق سنة 2020 إذا استمرت البشرية في استنزافها للموارد الطبيعة واستهتارها بالبيئة بنفس الطريقة الخرقاء، وحسب معهد الأبحاث الفرنسي لاستغلال البحار فمن أصل 4 مليارات طن من النفايات البلاستيكية  التي تنتجها حضارة الهموسابيينس المتجبرة تستقر 100 طن منها في كل ثانية في قاع البحار والمحيطات والشواطئ، وكشفت دراسة صادمة بكل المقايييس على أن ما يناهز 300 مليار منتج بلاستكي يدمر المحيط المتجمد الشمالي للكرة الأرضية
والأمر لا يحتاج إلى عناء تفكير للوصول إلى حقيقة مفادها على أن كوكب الأرض مقبل في المستقبل المنظور على دخول مرحلة عيش البشرية بالسلف، أي أنها تجاوزت مقدرة الكوكب على تلبية احتياجاتها من الموارد الطبيعية،  ولنأخذ على سبيل المثل معضلة المياه، فحجمها على ظهر اليابسة يبلغ 35 مليون كيلومتر مكعب (مقارنة مع حجم مياه البحار والمحيطات البالغ 1350 مليون كيلومتر مكعب)، وفي هذا الحجم الضئيل لا تمثل نسبة المياه الصالحة للشرب سوى 9 ملايين كيلومتر مكعب أي نحو الربع، وتتواجد أساسا في المياه الجوفية، وكوكب الأرض الذي بدأ يُستنزف على جميع الأصعدة عليه تلبية احتياجات 7 ملايير نفس من مياه الشرب في الوقت الراهن، وهو ما يمثل 42000 مليار متر مكعب في السنة أي 6000 متر مكعب في المتوسط سنويا لكل نفس، غير أن النمو الديمغرافي السريع لم يترك فرصة لكوكب الأرض كي يسترجع أنفاسه، إذ على هذا الكوكب الذي دخل مرحلة العد العكسي للفوضى العارمة أن يلبي حاجيات 9 ملايير نفس في أفق 2030، وبنفس الكمية المتوفرة من المياه سوف تنخفض الحصة المتوسطة السنوية لكل فرد من 6000 إلى  4650 متر مكعب قي السنة، وهو ما يمثل انخفاضا بنسبة 25 % ، لكن الأمر ليس بهذه السهولة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الاحتياجات الزراعية تستهلك 70 % من حجم المياه العذبة، وسوف ترتفع هذه الاحتياحات بما بين 15 و 20 % في السنين العشر القادمة حتى تستطيع الفلاحة أن تسد رمق 9 ملايير نسمة، دون نسيان الاحتباس الحراري الذي حسب العديد من الدراسات العالمية سوف يتسبب في شح في التساقطات المطرية بنسبة قد تصل حتى  25 % وعدم انتظامها زمانيا ومكانيا في مناطق عدة بشمال افريقيا والشرق الأوسط وغيرها من المناطق، والتي بدأنا نلمس آثارها السلبية الأولية في السنين الأخيرة.
أما في الميدان الزراعي فمن المعلوم أن الرفع من إنتاج المحاصيل يتطلب استعمال جرعات كبيرة من الأسمدة الكيماوية، والمتمثلة بالأساس في الثلاثي نيتروجين+فوسفات+بوتاسيوم، مما ينعكس سلبا، في حالة استعمال أخرق لهذه الأسمدة، على التربة التي تتغير خصائصها والمياه الجوفية التي تصبح غير صالحة للشرب، واليوم يُعزى 66%  من تلوث المياه الجوفية إلى الأسمدة النيتروجينية لأنها قابلة للذوبان في المياه بدرجة كبيرة، وعندما لا يتم امتصاصها من طرف النباتات تتسرب بسهولة في باطن الأرض حتى المياه الجوفية، فقبل سنة 1950 كان مستوى النيتروجين لكل لتر من الماء لا يتجاوز 1 مليغرام، أما اليوم فإنه يتجاوز بسهولة 50 مليغرام في اللتر، وهو الحد الأقصى في زمن وجيز الذي وضعته منظمة الصحة العالمية لاعتبار المياه صالحة للشرب، وإذا داوم الإنسان على شرب مياه ملوثة بالنيترات بمستويات تتجاوز الحد الأقصى الموصى به، فإنه سوف يصاب بما يسمى الداء الأزرق، المتمثل في تسمم الدم بالنيترات عن طريق أكسدة الهيموغلوبين، مما يحول دون تثبيت الأوكسجين في الدم ويؤدي إلى اضطراب خطير في الجهاز التنفسي.
أما فيما يـــــــــخص ظاهـــــــــــــــــرة الاحتبـــــــاس الحراري فقد أكـــــــدت اللجــــــنة الدولية للتغــــــــــيرات الـــــمناخية IPCC  Intergovernmental Panel on Climate Change  التابعة للأمم المتحدة، والمؤلفة من أكثر من 3000  عالم من علماء المناخ وماسحي المحيطات وخبراء الاقتصاد، على أن غازات الدفيئة الناتجة عن الممارسات البشرية هي المسؤولة عن معظم ارتفاع درجة الحرارة الملاحظ منذ منتصف القرن العشرين، وقد أيدت هذه الاستنتاجات أكثر من أربعين جمعية علمية وأكاديمية للعلوم حول العالم  بما في ذلك جميع الأكاديميات الوطنية للعلوم في الدول الصناعية الكبرى، وقد أدى تراكم الغازات المسببة للاحتباس الحراري من ثاني أكسيد الكربون وميثان وبعض الغازات الأخرى في الغلاف الجوي للأرض خصوصا خلال الستين سنة الأخيرة إلى إحداث خلل في المناخ، متجليا في ارتفاع متسارع وغير طبيعي لحرارة الأرض، مما مهد حاليا  ويمهد مستقبلا لحدوث اضطرابات غير مسبوقة في مناخ الأرض وزيادة في حدة الأحداث المناخية المتطرفة، من موجات حر وتصحر وفيضانات في كل بلدان العالم، وارتفاع ملحوظ في وثيرة حرائق الغابات، وزيادة في عدد وحدة العواصف الهوجاء العاتية، واختفاء للأنهار الجليدية، وارتفاع لمنسوب مستوى البحار والمحيطات يُغرق العديد من الجزر المنخفضة والمدن الساحلية حول العالم، إضافة للتقلص في مساحات غابات الأمازون المطيرة والغابات الشمالية، وفقدان لبعض المحاصيل الزراعية، وانقراض أنواع عديدة من النباتات والحيوانات قد تصل إلى مليون نوع خلال الخمسين سنة المقبلة.
إن مدى الخراب الذي أحدتثه الأنشطة البشرية في الأركان الأربعة من المعمور، توضح بجلاء على أن تحقيق النمو الاقتصادي بلا حدود عن طريق العلوم والتكنلوجيا في عالم محدود الموارد الطبيعية وذو بيئة جد رهيفة وحساسة ليس شيئا منطقيا ولا أخلاقيا، بل هو مشروع مآله الفشل بكل تأكيد، بالرغم من إصرار الشركات المتعددة الجنسيات والأوليغارشية المتاجرة في الغذاء والدواء والأسلحة والوقود الأحفوري وغيرها لإثبات عكس ذلك بإرشاء الحكومات ومعاهد البحث العلمي،  هذه الأوليغارشية العديمة الذمة والضمير التي تهيمن على كل وسائل الاتصال السمعية والبصرية العصرية، وتسخرها بكفاءة عالية لتضبيع البشرية وتحويلها إلى فئران تجارب ورهائن للاستهلاك الذي أضحى لديها الهدف الأسمى في الحياة.
والمجتمعات الاستهلاكية مجتمعات مفككة الأوصال مقطعة الأرحام مغيبة العقول لا يسود فيها إلى رنين النقود والذهب، لذا لم يعد من المستغرب أن يُضحي 38 % من سكان الصين يستنشقون هواء فاسدا وملوثا يتسبب في مقتل 4000 شخص يوميا أي ما يناهز 1.60 مليون سنويا، وهو ما يمثل 17 % مجموع الوفيات بالصين سنويا حسب ما أعلنته مجموعة بيركلي الأرض بكاليفورنيا، كل ذلك من أجل عيون التصنيع المتزايد. 
ولم يعد من المستغرب، لأجل استخراج غرام واحد من الذهب، أن يلقي المنقبون عن هذا المعدن الأصفر الثمين غرامين من الزئبق القاتل والعالي السمية في البيئة الطبيعية، ويتسببون في تسميم ما بين 10 إلى 15 مليون شخص سنويا ممن يشتغلون في هذه المقاولات الأنارشية الصغرى، إضافة  للآثار التسممية المدمرة التي يتركها الزئبق على صحة 600.000 طفل و  4,50 مليون امرأة من الناجين من الموت السريع والساقطين بين أحضان الموت البطيء.
ولم يعد من المستغرب أن يصبح 80% من الغطاء الغابوي العالمي مدمرا  أو متدهورا بشكل كبير خصوصا خلال الثلاثين سنة الأخيرة بسبب الاستغلالات المنجمية للبحث عن المعادن الثمينة مثل الذهب والكوبالت والنيكل والأحجار الكريمة، والتنقيب المحموم عن الدماء التي تضخ الحياة في الشرايين المتصلبة للحضارة المعاصرة، والتي بدونها سوف تتوقف دورتها وتصاب بالشلل التام وتدخل في مرحلة الاحتضار وأعني بذلك النفط.
ولم يعد من المستغرب اجتثتات غابات الأمازون وتحويلها إلى أراضي فلاحية لإنتاج فول الصويا قصد تلبية حاجيات حيوانات أوروبا المريضة التي أنهكها وباء جنون البقر الناجم عن الغش والجشع اللذان يسريان في دم الرجل الأبيض منذ الأزل من أجل الربح السريع، وتلبية لحاجيات شركاته الأخطبوطية للمنتجات الغذائية الصناعية،.
ولم يعد من المستغرب في أن تحول إندونيسيا وماليزيا غاباتهما إلى أراضي زراعية لإنتاج زيوت النخيل تلبية لحاجيات المنتجات الغذائية ومستحضرات التجميل وبدرجة أكبر تلبية للحاجيات المتزايدة من أجل إنتاج الوقود الحيوي تعويضا للوقود الأحفوري حتى تبقى أوروبا نقية نظيفة. 
ولم يعد من المستغرب أن يشعل تجار الأسلحة من الأوليغارشية حروبا في بلدان تجمعها اللغة والدين والمصير الواحد وتبعد عنها بآلاف الكيلومترات، ليسقط ضحيتها الملايين من المستضعفين الأبرياء لسبب واحد ووحيد هو أنهم لم يخلقوا بعيون زرق وشعر أشقر. 
ولم يعد من المستغرب أن يسمع المرء هذه الأوليغارشية المقيتة وهي تنتحب باكية وتدرف دموع التماسيح على كوكبنا الجد مريض، وتدعو ناصحة إلى التخلص من 95 % من سكان الأرض حتى يسترجع الكوكب عافيته وتوازنه اللذان افتقدهما وقد يفتقدهما إلى غير رجعة في ظرف زمني وجيز.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق