دين الاستبداد وشرفه وحياته: المال...المال...المال

"لو كان الاستبداد رجلا وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: أنا الشر وأبي الظلم وأمي الإساءة وأخي الغدر وأختي المسكنة وعمي الضرر وخالي الذل وابني الفقر وابنتي البطالة وعشيرتي الجهالة ووطني الخراب، أما ديني وشرفي وحياتي فالمال..المال..المال" عبدالرحمان الكواكبي
سُئِلَ مرة بعض السياح الأجانب عن سبب مجيئهم إلى المغرب، فبدأ بعضهم يراوغ والبعض الآخر ينافق وما تبقى منهم يجامل ويصبغ كلماته بكل ألوان قزح أي 'يعمر علينا في الصهاريج' بالرغم من أن أهل مراكش أي المغرب أدرى بمنكرات مرتاديه، غير أن واحدا منهم بدا لي صادقا وكانت إجابته مباشرة صادحة مدوية ومقتضبة عندما أجاب: "أجيء إلى المغرب لأنني أجد فيه كل شيء"، والحق يُقال أن إجابة هذا السائح جد دقيقة وتعبر بصدق عن واقع المجتمع المغربي وما يختلج بداخله من متناقضات، وسوف أسرد فيما يلي بعض الأمثلة على سبيل الذكر لا الحصر من الواقع المعاش التي تثبت ذلك:
فعلى طريقة فيلم 'الهارب من سجن ألكتراز' للممثل العالمي 'كلينت إيستوود'، شرع أحد البنائين القاطن بدرب الفندق بحي سيدي ميمون بحفر نفق تحت أرضي من منزله باتجاه ضريح يوسف بن تاشفين بغية الاستيلاء على كنز بداخل ضريح  أمير المسلمين، بتواطئ مع بعض فقهاء آخر الزمان، الذين لم يعودوا يعبدون غير الدرهم والدولار واليورو والذهب، بالرغم من أحاديثهم التي يغلب عليها قال الله وقال الرسول، وبالرغم من مظاهرهم الخادعة المخادعة.
وعلى طريقة 'أفلام النينجا' الصينية واليابانية أقدمت عصابة من الملثمين المدججين بالسكاكين والسيوف على ترويع قسم المستعجلات بمستشفى ابن طفيل بمراكش قصد علاج أحد رفقائهم المصاب،  ولولا تدخل عناصر الأمن في الوقت المناسب وإلقاء القبض عليهم ثم إحالتهم على الشرطة القضائية لحدث ما لا تحمد عقباه.
وكشفت جريدة المساء المغربية عن دخول كميات كبيرة من المبيدات الفلاحية تخلص منها الصبليون بعد الاشتباه في احتوائها على مواد مسرطنة وبكتيرية، وتم إدخالها إلى التراب المغربي بطرق سرية عبر شاحنات خاصة بالتصدير عادة ما تعبر ميناء طنجة في اتجاه مدن معينة بإسبانيا لتصدير الخضر والفواكه، ثم تعود بعد ذلك وهي  محملة بشحنات ضخمة من المبيدات الفلاحية التي لا تخضع لتحاليل المختبرات التقنية، وأضافت نفس الجريدة أن الشحنات الكبيرة من المبيدات الفلاحية دخلت عبر معابر حدودية على متن شاحنات كبيرة مخصصة في الأصل للتصدير، وهي خارج اللائحة الرسمية للمبيدات المرخصة بالمغرب من طرف المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية.
وكشفت جريدة الصباح المغربية عن رصد خروقات وتجاوزات من طرف المفتشية العامة لوزارة التجهيز والنقل واللوجيستيك، همت بالأساس مبالغات في صفقات إنجاز الطرق والبنيات التحتية، مثل صفقات طرق بعض الجماعات بإقليم أزيلال المنجزة سنة 2009 بغلاف مالي ضخم وصل إلى 17 مليار سنتيم، في حين أن المبلغ الحقيقي لم يكن يتجاوز 9 ملايير سنتيم.
وكشفت الهيئة الجنوب إفريقية المساة 'عالم الثروة الجديد' على أن المغرب، القوة الاقتصادية الخامسة في أفريقيا والثانية في شمال أفريقيا، وقع فيه انفجار هائل في تعداد المليونيرات في ظرف 15 سنة، بحيث بلغ عددهم حاليا 4800 مليونير، أي بزيادة قدرها 118٪ مقارنة بعام 2000، مع العلم أن المليونير، كما عرفته هذه الهيئة، هو كل شخص يملك أصولا تتجاوز 1 مليون دولار، وبذلك يحتل المغرب المرتبة السادسة في عدد المليونيرات بعد كل من جنوب أفريقيا، مصر، نيجيريا، كينيا وأنغولا، في حين أن عدد الفقراء يزداد هو الآخر بوثيرة سريعة، ويحفر هوة شاسعة وخطيرة بين من يملك القصور والدور الفخمة والفيلات المتراميات وكل مباهج الدنيا، وبين من لا 'يملك' غير الهواء الذي يتنفسه.
وأخيرا أختم بهذا الخبر الطريف الذي تناولته جريدة أصداء المغربية المستقلة تحت عنوان 'فأر ليلة القدر'، تقول قصة من التراث العربي أن التابعي عروة بن الزبير سافر من المدينة، وفي قرية بوادي القرى أُصيبت رجله بجلطة، ولم يكد يصل دمشق حتى كانت نصف ساقه قد تَلِفَتْ، فدخل على الوليد بن عبدالملك الأموي، فبادر هذا الأخير باستدعاء الأطباء العارفين بالأمراض وطرق علاجها، فأجمعوا على أن العلاج هو قطعها قبل أن يسري المرض إلى الرجل كلها حتى الورك، وربما أكلت الجسم كله، فوافق عروة بعد لَأْيٍ على أن تُنْشَرَ رجله بمنشار، وعرض عليه الأطباء إسقائه مرقدا (منوما)، حتى يغيب عن وعيه فلا يشعر بالألم، فرفض ذلك بشدة قائلا: لا والله، ولكن إن كنتم فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة، فإني لا أحس بذلك ولا أشعر به، فقطعوا رجله من فوق الجلطة من المكان الحي، احتياطا أن لا يبقى منها شيء، وهو قائم يصلي، فما تضور وما اختلج، سبب نشر هذه القصة التراثية المشهورة، هو واقعة الفرار الجماعي من مسجد الحسن الثاني فجر ليلة القدر، حيث بدأ الأمر بالجناح المخصص للنساء، قبل أن يصل إلى مسجد الرجال، وإذا كان مصلى النساء قد غرق في الفوضى والضجيج بسبب فأر، فإن مصلى الرجال شهد نفس الوضع بسبب اعتقاد بعض المصلين بأن الأمر يتعلق بهجوم إرهابي من فعل 'داعش'، وبالتالي فلا مناصفة حتى في أسباب الخوف، المقارنة التي تفرض نفسها بين واقعة عروة بن الزبير وواقعة الدار البيضاء، تتعلق بمشاهد الخشوع التي تنقلها الكاميرات من ساحات مسجد الحسن الثاني والدموع الجارية، بينما نجح فأر صغير في جرح عشرات واختفاء خمسة أشخاص وفق الرواية الصحفية، فهل يستوي من قُطِعَتْ رجله وهو يصلي دون 'بنج'، ومن يَنْقُضُ فأر وضوءه؟، وفي كل الأحوال فقد استفادت مصالح الوقاية المدنية من هذه الحادثة، بما أنه تم نقل أزيد من مائة شخص (مُصَاب) إلى المستشفيات التي غادروها في نفس اللحظة.
أما عن مستوى الفساد الأخلاقي والإنهيار القيمي والميوعة والتفاهة، فحدث ولا حرج، فتلك الطامة الكبرى والمصيبة العظمى التي ما بعدها مصيبة، ولا تسعني جميع أرجاء 'ضفاف متوهجة' كي أسردها بالتفصيل، ولو بقيت أكتب فيها طوال حياتي.
ولا يسعني في الختام إلا أن أقول ما قاله الشريف قتاده أبوعزيز بن إدريس بن مطاعن بن عبدالكريم بن موسى بن عيسى بن سليمان بن عبدالله أبى الكرم بن موسى الجون بن عبدالله بن حسن بن الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم:
بِلاَدِي وَإِنْ جَارَتْ عَلَيَّ عَزِيزَةٌ     وَأَهْلِي وَإِنْ ضَنُّوا عَلَيَّ كِــــــرَامُ 
هوامش:
جَارَتْ عَلَيَّ: ظَلَمَتْنِي
ضَنُّوا: بـَخِلُوا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق