سقراط: الفيلسوف الحكيم الذي لم يكتب سطرا واحدا

"أليس الموت هو التحرر؟ أليس هو الشفاء من مرض الحياة؟" سقراط
سقراط وقت الحكم عليه إعداما بتجرع السم وسط تلامذته المتباكين من حوله وهو يرفع أصبعه متحديا الاستبداد
سقراط الفيلسوف الأثيني المولود سنة 469 قبل الميلاد الذي كان يحيا كما يفكر، هو أب الفلسفة ومؤسس المذهب العقلاني المؤَسَّس على التفكير المستقل الذي وضع العقل الإنساني أمام حقائق الحياة بدون زواق ولا مكياج، الفيسلوف الذي لم يجعل فرقا بين تفكيره النظري المثالي وسلوكه العملي الشخصي في الحياة، وحتى لما حُكم عليه بالإعدام سنة 399 قبل الميلاد من طرف الطبقة المستبدة النافذة في الحكم بدعوى نهيه عن الشرك وعبادة آلهة أثينا من الأوثان، وكذا معاداته للديمقراطية وللطبقة الارستقراطية الانتهازية ولطبقات السوفسطائيين والأغنياء الذين كانوا يمارسون التعليم بأجر ولم تعجبهم مجانية التعليم على طريقة سقراط، آثر أن يتجرع سُمَّ الشوكران على أن يتزحزح قيد أنملة عن رأيه، أو أن يسكت عن تنبيه الناس عما كانوا عليه من غفلة اتجاه الفساد الكبير الذي كانت ترزح تحت نيره أثينا.
ولما علمت زوجته بخبر الحكم عليه بالإعدام وبدأت تبكي، قال لها: "ما هذا البكاء؟"، قالت: "إني أبكي لأنك تُقتل مظلوما"، فأجابها: "يا عاجزة الرأي.. أكنت تريدين أن أُقتل بحق؟"، وبذلك اختفى أكبر فيلسوف في التاريخ البشري الذي استمدت منه جميع النظم الأوروبية مثالية التفكير والاجتماع، دون أن يترك وراءه نصا واحدا مكتوبا، وإذا وصل إلينا فكر سقراط فالفضل يرجع بالأساس إلى بعض تلامذته الذين دونوا أقواله وأفكاره أمثال إفلاطون في "محاوراته" وتلميذه أرسطو وإكسانوفون في "مذكراته"، أما بالنسبة لسقراط فلتواضعه الشديد كان له اليقين التام في أنه لا يعلم شيئا وهو القائل: "اعرف نفسك بنفسك".
إن أحكم فيلسوف عرفه التاريخ البشري لم يكن يمتطي في زمانه ما يضاهي سيارة فارهة من نوع ب م دوبليو أو مرسيدس أو جاغوار، ولم يكن يملك ضياعا وجنانا، ولا قصورا ويخوتا، ولا أموالا طائلة، بل كان شخصا حاذ الذكاء بدرجة مثيرة، أصلعا غليظ الشفتين مفلطح الأنف رث الثياب، يمشي بين الناس حافي القدمين، متزوج من فتاة اسمها 'زنثيب' لم تتجاوز تسعة عشر عاما هو الذي تجاوز الأربعين، وقد كانت امرأته جحيما في حياته، لأنها مخلوقة مشاكسة عنيدة، شرسة الطباع، سليطة اللسان، عيابة وعيارة، نقاقة وملحة، وقد تحملها ولم يظلمها قط.
وقد كان سقراط حكيما بكل ما في الكلمة من معنى، لحذة ذهنه وسرعة فهمه، وحضور بديهته وبراعته في إخفاء سخريته، كل ذلك طُبِع بمزيج غريب من التحكم في النفس، إضافة لما كان يتمتع به من مهارة وحماس وبراعة في المناقشات والدقة في كشف خداع الناس له وفضح خبثهم ونفاقهم.
 ساح وجال سقراط بين أزقة أثينا وفي طرقاتها وأسواقها وملاعبها محاورا الغرباء من الناس على اختلاف مشاربهم ومستوياتهم حول مسائل أخلاقية كالعدل والعدالة والتقوى والفضيلة والشجاعة والصداقة متبعا منهج "التوليد"، أي إخضاع العقول لعملية الولادة إسوة بوالدته التي كانت قابلة، بإعانة من يحاوره على استخراج المعرفة المستقرة من قرارة نفسه، وكان نهج سقراط يقتضي طرح أسئلة تبدو ساذجة للكثيرين لحض الناس العاديين للتعبير عن فكرهم وما يجيش بخواطرهم، وأن لا يقبلوا شيئا إلا بعد أن يقوم البرهان على صحته، ومن تم الدفع بالحجة إلى أقصى حدود المنطق للدلالة لهؤلاء على أن معرفتهم لا تقوم إلا على مجرد معتقدات مهلهلة، وقد سُئِل سقراط مرة: "ما بالنا نرى رجالا يعرفون الخير ويعملون شرا؟"، أجاب: "لأن علمهم ظن وليس يقينا !"، وقد قال الخطيب الروماني شيشرون عن سقراط: "إن سقراط استدعى الفلسفة من السماء فأسكنها الأرض وأقرها في المدن ثم أدخلها إلى البيوت، وجعلها ضرورية في السؤال عن غاية الحياة والأخلاق في الخير والشر".
والطريقة الشفهية التي اتبعها سقراط خلال رحلته الأرضية هي السبب في عدم تركه أي نص مكتوب من طرفه، فهو يعتبر الكتابة فكر ميت ينحط إلى ما دون الشفهي، والكتابة تَصَنُعِية ومُرَائِية تفتقر إلى العفوية والتلقائية، وعيبها  الكبير يكمن في عدم إفساحها المجال للحوار، ذلكم الحوار الذي يبقى في رأيه السبيل الأوحد للاقتراب من الحقيقة دون بلوغها كلها، كما أن النص المكتوب يمكن إساءة تفسيره عن غير قصد أو تشويهه عن قصد، لذلك ليس هنالك إنسان جدي -بالتأكيد- سيخاطر بالكتابة في مسائل خطيرة وشائكة، وبالتالي وضع أفكاره طواعية تحت رحمة مزاجية الرجال واجتهاداتهم  وعدم فهمهم.
من أقوال سقراط:
-تستطيع الشمس أن تجفف مياه المحيط، لكنها لن تجفف دموع امرأة.
-الحياة من دون ابتلاء لا تستحق العيش.
-ليس من الضروري أن يكون كلامي مقبولا، بل من الضروري أن يكون صادقا.
-إن أفضل الحكام أحكمهم وليس بالضرورة أكثرهم تحصيلا للعلم.
-تكلم لكي أراك.
- قال له أحذ تلامذته: كيف لا أرى فيك أثر حزن أيها الحكيم؟، فأجاب سقراط: لأني لا أملك شيئا إن فقدته أحزنني.
-الخير الوحيد في هذا العالم هو العلم والشر فيه هو الجهل.
-إني أعرف شئيا واحدا هو أني لا أعرف شيئا.
-الحكمة لله وحده، وإنما للإنسان أن يـَجِدَّ ليعرف وفي استطاعته أن يكون محبا للحكمة تواقا للمعرفة باحثا عن الحقيقة.
-التربية الخلقية أهم للإنسان من خبزه وثوبه.
-إذا احتاج اللئيم تواضع وتقرب وإذا استغنى تجبر وتكبر.
-الجمال استبداد مؤقت
-الذكاء يحول القبح جمالا، في حين لا يستطيع الجمال إصلاح الجهل والقضاء عليه.
-الزواج كشبكة الصياد، يتهافت عليه العزاب كما يتهافت السمك على الشبكة، والعالق فيه يتخبط جاهدا للتخلص منه ولكن دون جدوى.
-سُئِل سقراط أيهما خير، أن يتزوج المرء أو أن لا يتزوج؟، فأجاب: أيهما فعل فهو في كلتا الحالتين نادم.
-قيل لسقراط: ألا تخاف على عينيك من كثرة القراءة؟، أجاب: البصيرة عندي أهم من البصر.
-بمقدور الذكاء أن يحول القبح جمالا إذا عجز الجمال عن معالجة الغباء.
-إذا أردت أن أحكم على إنسان، فإني أسأله كم كتابا قرأت؟ وماذا قرأت؟
-لم أطمئن قط إلا وأنا في حجر أمي.
-أعظم امرأة هي التي تعلمنا  كيف نحب ونحن نكره، وكيف نضحك ونحن نبكي، وكيف نصبر ونحن نتعذب.
-متى أُتِيحَ للمرأة أن تتساوى مع الرجل أصبحت سيدته.
-للحياة حدان: أحدهما الأمل والآخر الأجل، في الأول بقاؤها وفي الآخر فناؤها.
-قل الحق ولو كان على نفسك.
-شاور الجميع ثم شاور نفسك.
-على المرء أن يأكل ليحيا، لا أن يحيا ليأكل.
-أعْمَلُ لسعادتي إذا عَمِلْتُ لسعادة الآخرين.
-هذه آخر جملة نطق بها سقراط قبل مفارقته الحياة: أليس الموت هو التحرر؟ أليس هو الشفاء من مرض الحياة؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق