من المستحيل أن تفلح أمة ينخر فيها الفساد

'إذا أردت أن تعرف أخلاق رجل فضع في يده سلطة، ثم انظر كيف يتصرف" الكاتب الإيطالي ألبرتو مورافيا
"فساد الحكام من فساد المحكومين" سعد زغلول
في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين خُطَّتْ على جدران مدينة 'كريفلد' بألمانيا كتابة جدارية تقول: "أهلا بكم في جمعيتنا أعضاء دائمين دون الحاجة إلى دفع رسوم الاشتراك..ندفع عنكم أيضا ثمن الزهور والكفن"، وقد غير هذا الغرافيتي وجه المدينة بالكامل خلال بضعة أسابيع فقط، وكان عدد سكان المدينة آنذاك يزيد عن 250 ألف نسمة بقليل، أغلبهم يشتغل في مصانع شركة 'باير' 'Bayer' العالمية لإنتاج الأدوية، وهم من الكاثوليك المحافظين جدا بالرغم من قرب مدينتهم الوديعة من مدينة الخمور والفسق والمجون والنوادي الليلية 'دوسلدورف' الصاخبة.
وحين لاحظ عقلاء المدينة أن أرجل تجارها ورجال المال والأعمال  فيها قد بدأت تخرج من الشواري كما نقول في المغرب، ثم شمروا على سواعد الفساد وحولوا مقاهي المدينة إلى علب ليلية وخمارات وأماكن للدعارة، مما أبعد الهدوء عن المدينة الوديعة، التي لم يعد نهارها معاشا وليلها سباتا  عكس ما  كانت عليه في السابق، عند ذلك خشي أولياء الأمور على أبناءهم من الفجور  والحشيش ومرض الأيدز الذي بدأت دائرته تتوسع مثل إشاعة خبيثة في مجتمع جاهل، فانطلقوا جميعهم يكتبون على جدران المدينة: "أهلا بكم في جمعيتنا أعضاء دائمين دون الحاجة إلى دفع رسوم الاشتراك..ندفع عنكم أيضا ثمن الزهور والكفن"، وما هي إلا أسابيع معدودة حتى أقفلت بعض تلك النوادي الليلية أبوابها وظهر مكانها صالة للرياضة وروضة أطفال وكنيسة.
من خلال سرد الواقعة السالفة الذكر يتبين جليا أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأن سنن الله في الكون لا تتنافى مع وجود بعض الظالمين حكاما على ظالمين مثلهم من الشعوب نفسها  تعينهم على ظلمهم، فإن كان الناس عدولاً وأخياراً وُليَّ عليهم عدولاً وأخياراً، وإن كانوا ظلمة وفجرة وفاسدون وليَّ عليهم ظلمة وفجرة وفاسدون، وفي جميع الأحوال  إن لم يكن الوالي والقائد والحاكم تقياً فإنما هو من جنس أمته وشعبه، وبذلك يفسد الأمر ويضطرب الحال، ويكون الفساد في الأرض بدل الصلاح فيها، وهذا يفيد أن ظلم الحكام والمسؤولين  يكون بسبب ظلم المحكومين فيما بينهم، وأن فساد الشعوب والمجتمعات يؤدي بها إلى ألا يحكمها إلا حكاما ظالمين، فيتعاونون بينهم على الإثم والعدوان ولا يتعاونون على البر والتقوى.
ولنا في التاريخ عبرة لمن يريد أن يعتبر فعبد الملك بن مروان  كان يحب الإقدام والشهرة، فكان الناس يقلدونه ويحبون هم أيضا الشهرة، والوليد بن عبد الملك من بعده كان يحب العمار والتوسعة، فقلده الناس بحبهم للإعمار، أما سليمان بن عبد الملك فكان يحب الأكل كثيراً وكان مغرماً به لدرجة الهيام، وكان أكثر الناس أكلاً، فتبعه الناس في نهمه بحبهم هم أيضا للأكل، بحيث لم يعد حديث مجالسهم يخرج عن دائرة الأكل، ثم جاء بعده عمر بن عبد العزيز الذي كان رجلاً صالحاً عابداً خاشعاً زاهداً ولياً، فأصبح الناس يحاولون الاقتداء به فزهدوا في الدنيا واتجهوا إلى الآخرة، وكيف لا يكون كذلك وهو الذي خاطبهم قائلا: "أي عامل من عمالي رغب عن الحق ولم يعمل بالكتاب والسنة فلا طاعة له عليكم، وقد صَيَّرْتُ أمره إليكم حتى يراجع الحق وهو دميم".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق