تسليع المرأة أو أجساد تستحق النشر

"البغاء صار كالطعام والشراب يُقَدَّم في جميع أرجاء العالم الـمُحتضر عفوا الـمتحضر24/24 ساعة" ضفاف متوهجة 
مسز (كارمن) فتاة أمريكية من مواليد ولاية فرجينيا، جاءت للبحث عن عمل في مدينة نيويورك، واكتشفها المليونير (هـــــ.م.هيفنر) الذي يتولى إصدار مجلة بلاي بوي، وقد دعاها للعشاء معه، ثم أخذها للرقص في إحدى حفلاته الخاصة ومنحها اسم (كارمن) بدل اسمها القديم الذي لا يستعمله أحد سوى مزارعي التبغ في فرجينيا، وعندما انتهت الحفلة ذهبت المسز (كارمن) مع المليونير إلى بيته الريفي وقضت عطلة نهاية الأسبوع  في صحبته، ثم انتهى كل شيء في اليوم التالي وعادت المسز (كارمن) إلى غرفتها الصغيرة في إحدى عربات الأجرة، واكتشفت عبر عتمة الغرفة المملة أن الحلم المبهج الذي عاشته في صحبة المليونير كان في الواقع مجرد حلم من جميع الوجوه، وأن المستر (هيفنر) المثير قد اختفى من حياتها إلى الأبد كعادته دائما مع كل فتاة تقضي معه عطلة الأسبوع، لولا أنه هذه المرة ترك وراءه هدية فظيعة تتحرك في أحشاء المسز (كارمن) التي جاءت من ولاية فرجينيا للبحث عن عمل في مدينة نيويورك.
واستولى الرعب على الفتاة الفلاحة، وانطلقت تجري إلى مكتب المستر (هيفنر) في مبنى مجلته الواسعة الانتشار، ونقلت إليه النبأ وسط عاصفة من الدموع، ولكن المليونير المجرب لم يزد على أن منحها ابتسامة صغيرة ثم اتصل بإحدى سكريتيراته وجعلها ترتب له ميعادا عاجلا مع أحد أطباء الإجهاض، وتم ذلك كله في نفس اليوم، وعادت المسز ( كارمن) إلى غرفتها المتواضعة بدون ذلك الشيء الذي كان يتحرك في بطنها.
لقد كان الأمر في غاية البساطة، وكان الناس في مدينة نيويورك يحلون مشاكلهم في يسر لا يُصَدق، وأجرت المسز (كارمن) بعد ذلك ثلاث عمليات إجهاض أخرى قبل أن ينتهي عامها الأول بنيويورك، وعرفت خلال ذلك العام أربعة وسبعين رجلا ذهبت معهم جميعا إلى بيوتهم الريفية لقضاء عطلة الأسبوع، ثم عرفت مائة واثنين وعشرين رجلا آخر خلال العام التالي.
وكانت المسز (كارمن) تفعل ذلك لأنها كانت تعمل في فرع خاص لتصوير أفلام (البورنوغرافي)، وهي أفلام تقتصر على تصوير ما يحدث في السرير فقط، وكانت تضطر إلى أن تنام مع أي رجل يحضره المخرج معه، وفي ذات يوم أحضر المخرج معه رجلا من ولاية فرجينيا، وقد نامت معه المسز (كارمن) تحت أضواء الكاميرات الساطعة، ثم دعته إلى غرفتها وقدمت له زجاجة من الويسكي، واكتشفت خلال حديثه معها أنه في الواقع ابن أختها (جالد) الذي نزح إلى نيويورك منذ خمس سنوات، ولكن المسز (كارمن) لم تقل له ذلك، لقد أخفت هذه الحقيقة المقززة مع بقية الحقائق الأخرى التي تحتفظ بها داخل رأسها المصاب بالدوار، وقررت أن تواصل عملها وتواصل الصمود أمام تلك الظروف المعقدة، مفرغة جهدا هائلا لكي تحتفظ بقليل من صفاء عقلها، وقد فعلت ذلك بضع سنوات أخرى، وعرفت مزيدا من الرجال ومارست مزيدا من الحب المقزز وسكرت بنهم، وصرخت ورفضت ومزقت ملابسها، ثم وقع المقدور ذات يوم وانهارت المخلوقة البائسة تحت ضغط عالمها غير المعقول، واكتشف أحد الحراس الليليين في محطة القطار جثتها الممزقة على القضبان بجانب حقيبتها الصغيرة التي تركت بداخلها رسالة تقول فيها:"أنا متعبة، هذا كل ما في الأمر، فلا تَدَعُوا أحدا يثير ضجة حول مصرعي".
ولكن مصرع المسز (كارمن) أثار ضجة هائلة على أية حال، ولم يتم ذلك من أجلها بالذات، بل تم من أجل التقرير الذي نقلته الشرطة من مصلحة الإحصاء عن فتيات أمريكا والصور العارية وحمى الجنس والحفلات الخاصة وعمليات الإجهاض وطاحونة العالم المفجع في الولايات المتحدة، وقد قال التقرير في مقدمته إن تمة ثلاثة ملايين فتاة أمريكية يعملن مثل المسز (كارمن) في صناعة الصور العارية، وأنهن جميعهن يتعاطين الدعارة، ولكن السلطات (المسؤولة) لا تستطيع أن تعاملهن طبقا لنصوص القانون الخاص ببقية العاهرات، لأن صناعة الصور العارية تعتبر حرفة معترفا بها في المجلات (المتخصصة).
ثم قال التقرير إن هذا العدد الهائل من (النساء المريبات السلوك) الذي يتوفر في الولايات المتحدة قد يفوق – في الواقع – عدد جميع العاهرات اللائي عشن في العالم بين عصر الأهرام وقيام إمبراطورية الإسكندر، وأن مكاتب الإعلان وحدها تملك أكثر من مليون فتاة أمريكية تتراوح أعمارهن بين الثامنة عشرة والثلاثين، ويعتمدن في (كسب) قوتهن اليومي على بيع أجسادهن العارية للمصورين المحترفين أو يتعاطين الدعارة، ثم قال التقرير إن واحدة من كل عشر فتيات أمريكيات تبدأ حياتها بالعمل في مكاتب الإعلان أو معامل المصورين المحترفين أو مجلات الجنس وصناعة الأفلام العارية، وأن خمسا من كل عشر فتيات يعملن في هذه الفروع يتورطن في عملية إجهاض خلال العام الأول من بدء (عملهن).
والمرء قد تعتريه الدهشة عندما يعرف أن مكاتب الإعلان التي تقف وراء هذه الكارثة في الولايات المتحدة ليست في الواقع محلات دعارة من أي نوع، بل هي مكاتب شبه رسمية يديرها الخبراء المتخصصون في الإعلان، وتعتمد عليهم معظم الصناعات الأمريكية في الدعاية لمنتجاتها، وتتمتع دائما بسمعة مثيرة على الأقل بين أفراد الشعب الأمريكي، وهي تعمل عادة بالتعاون مع المؤسسات الصحفية الكبيرة ودور الطباعة ومحطات التلفزيون، وتقوم بوضع التصميمات المطلوبة للإعلان عن أي سلعة، ولكن المشكلة أن هذه المكاتب تورطت منذ البداية في نظرية مؤداها: (أن الإعلان لا بد أن 'يلفث' نظر الزبون بأي ثمن)، وأن أفضل وسيلة لتحقيق هذه اللعبة هي أن تضع بجانب سلعتك صورة امرأة عارية أو شبه عارية على الأقل،  وقد انفجرت الفكرة مثل بركان خرافي في أرجاء العالم بأسره (حتى في الدول العربية والإسلامية)، أما في الولايات المتحدة فقد انفجرت بطريقة أكثر سوءا، والتقط المصورون في عام واحد مائة وسبعين مليون صورة عارية أو شبه عارية لوضعها بجانب سلع المصانع من أمواس الحلاقة والملابس والمشروبات والمأكولات والتجهيزات المنزلية إلى طائرات البوينغ، ودخلت ثلاثة ملايين فتاة أمريكية مجال (العمل) في هذه (الحرفة) الجديدة التي ظلت على الدوام بمثابة حلم لذيذ يبدأ عادة بإعلان صغير عن صابون 'لوكس' وينتهي – أو على الأقل من المفروض أن ينتهي – في استوديوهات هوليود، وفي العادة تحدث الكارثة عند وسط الطريق، فالفتاة التي تحمل أحلامها فوق كتفها وتحضر إلى مكتب الإعلان بحثا عن (عمل لجسدها)، تعرف بالسليقة أن عليها أن تثبت أولا أنها تملك جسدا يستحق النشر، فالمرء لا يستطيع أن يضع بجانب سلعته صورة امرأة عجوز مقوسة الساقين أو فتاة نحيلة الصدر تثير تقزز قارئ الإعلان، إنك لا بد أن تضع هناك أفضل ما تجده، وفتيات أمريكا والعالم أجمع يعرفن ذلك بالطبع ويعملن ما في وسعهن لتحقيق الشروط المطلوبة.
في مقدمة هذه الشروط أن تعرف الفتاة مقدما وبطريقة خالية من الشك أن مكتب الإعلان لا يعطيها عملا لنفسها، بل لجسدها، وأنها لا بد أن تستعد لكي تعيش مع هذه الحقيقة المقززة، فكل حرفة في العالم يمارسها المرء لإبداء مهارة ما، إلا حرفة الموديل العاري، فهي في الواقع مثل حرفة البغاء بالضبط يمارسها الجسد بدون حاجة إلى المهارات.
وهنا يضع المرء يده على مفتاح اللعبىة المدهشة، فالفتاة الأمريكية التي تستلقي عارية أو شبه عارية أمام كاميرا أحد المصورين المحترفين تستطيع أن تربح في الساعة الواحد مبلغا يتراوح بين خمسة دولارات وبين ألف دولار (هذا في السبعينيات من القرن الماضي أما الآن فأضعاف أضعاف ذلك) ، وهي تعرف أن هذا الفرق الهائل في السعر لا يحدث طبقا لأي شروط خاصة سوى (تكامل جسدها وقدرته على إبداء أكبر قدر ممكن من البضاعة المطلوبة)، والبضااعة المطلوبة ليست مهارات فنية أو مستويات عقلية خاصة، بل بكلمة فظيعة واحدة جنس، ذلك يعني على وجه التقريب نفس الميزة التي تحتاجها المرأة العاهرة لكي تربح قوتها اليومي، ونفس الميزة التي كانت تحتاج إليها (الجارية) لكي تنال رضى المشتري في الأزمان القديمة المقززة التي كانت المرأة تعرض فيها للبيع على منصة عالية وسط سوق الرقيق.
إلى هذا الحد بلغ (تطوير) المرأة الأمريكية، وأصبحت مرة أخرى جارية معروضة للبيع، ولكنها هذه المرة لا تضع قناعا فوق وجهها مثل جواري الشرق البائسات، ولا تخص رجلا واحدا فقط، ولا تحتاج إلى أن تتورط في إنجاب الأطفال رغم أنفها كلما قرر سيدها أن يقضي ليلة في سريرها، ولا تحتاج أيضا أن تتسول نفقاتها من أحد.
إن المرأة الأمريكية الحديثة تملك من نقود الولايات المتحدة أكثر مما يملك الرجال، وهذه الحقيقة ليست مجرد حلم قديم يداعب أخيلة نساء العالم في باقي الحضارات، إنها في الولايات المتحدة حقيقة واقعة تسندها الإحصائيات الرسمية وتقارير وزارة الخزانة، فنساء أمريكا يملكن 80 %  من مجموع الدخل القومي، ويملكن 75 %  من قيمة المشتريات، ويملكن 65 %  من أوراق البنكنوت، ويملكن 50 % من مجموع الأسهم المباعة، ويملكن من قيمة الأوراق النقدية هذا الرقم 100.000.000.000 أي مائة ألف مليون دولار، ويمتلكن أيضا 45 % من مساحة الأراضي، إنهن أغنى نساء في التاريخ، وإذا قرر المرء أن يختار سبيل المقارنة لإظهار مدى هذا الغنى فإنه يستطيع أن يتصور بهدوء أن نساء أمريكا يملكن النقود أكثر مما توفر لدى الإمبراطورية الرومانية منذ قيامها حتى سقوطها، ومع ذلك فالمرأة الأمريكية ما تزال مجرد جارية، لقد بلغ بها ( تطورها الحضاري) إلى هذا الحد مرة أخرى، وأعادها إلى المنصة العارية التي تعرض فوقها الجواري للبيع في وسط سوق الرقيق.
ولكن السوق هذه المرة ساخنة إلى حد لا يُصدق، والمشترون أكثر ضراوة، والنخاس أعلى صوتا، والحياة نفسها تبدو من نوافذ الطابق الخمسين معتمة وفظيعة بطريقة لم ترها الجواري في أي عصر مضى.
ضفاف متوهجة بتصرف جد طفيف عن العودة المحزنة إلى البحر
 (عن نساء أمريكا) للصادق النيهوم عن تقرير مترجم ل 'رالف وينتر'

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق