أشياء ما ليست على ما يرام عند المسلمين

"إذا أراد الله بقوم شرًّا فتح عليهم باب الجدل وسدَّ عنهم باب العلم والعمل" 
                                                                      عبدالرحمان بن عمرو الأوزاعي
كتب المستشرق الإنجليزي 'ديفيد صمويل مرغليوث' اليهودي الأب والذي كان يُدَرِّسُ اللغة العربية في جامعة أكسفورد، متهكماً من حالة العالم الإسلامي ومشيراً إلى الاتجاه الذي رسمه الغرب الصليبي لمستقبل المنطقة ابتداء من معاهدة سايس بيكو اللعينة التي حولت العالم الإسلامي إلى فسيفساء من الدول القومية العصبية  القزمية، ومعقباً في نفس الوقت على حدث السقوط المدوي للإمبراطورية العثمانية  بعد مدة وجيزة من حدوثه: «إذا كان العالم الإسلامي قد بقي سنة كاملة من دون خليفة فلربما أمكنه أن يظل كذلك إلى أمدٍ غير محدود»، وبمقولته هذه يخالف 'مرغليوث' القانون الأزلي الذي يقول على أن الطبيعة لا تقبل الفراغ خاصة عندما يتعلق الأمر برأس الهرم في السلطة والقيادة، وكأن بهذا المستشرق يغمز ويلمز على أن العالم الإسلامي كائن خرافي خارج نطاق المعقول والطبيعي لأنه مخالف لنواميسه.
لقد عمل الغرب الصليبي بدهاء وذكاء كبيرين في السيطرة على أجهزة التعليم في كثير من البلاد الإسلامية، فضلًا عن جهوده الدائبة لنشر التغريب واللادينية بكل الوسائل الممكنة إلى يومنا هذا، وقد أوهم هذا الغرب الصليبي كثيرا من الناس المغفلين على أن حالة العالم الإسلامي تشبه تمامًا حالة أوربا في العصور الوسطى، ولا يمكنه أن ينهض وينفض عنه أدران التخلف والتدني والانحطاط والانهيار العقلي إلا بما نهضت به أوربا، لما حاصرت في ركن-كما يحاصر ملاكم خصمه المتداعي على الحلبة- ديانتها بالفاتيكان ثم عزفت عليها ترانيم دفنها رفقة 800 شخص في رقعة لا تتجاوز مساحتها 0.44 كلم² بالعاصمة الإيطالية روما، ثم انطلقت كالتسونامي العملاق بدون كوابح ولا فرامل ولا قيم ولا أخلاق، وهي تصيح ويملأ صياحها جميع الآفاق سبحانك يا مال.. سبحانك يا ذرة.. سبحانك يا إلكترون.
وأي إنسان مستيقظ تمام الاستيقاظ  بإمكانه أن يستشعر التردي الخطير في أوضاع العالم العربي والإسلامي من المغرب حتى أندونيسا، وما يعتري المنطقة من مشاكل عويصة وعداوات وتطاحونات وحروب عقائدية ومذهبية وطائفية ومنهجية وقبلية وقيمية أخلاقية على الاستحواذ على كراسي السلطة والقناطر المقنطرة من الذهب والفضة وتوسيع مراكز النفوذ لا نصرة لدين الله في الأرض ولكن للإستكبار والإستعلاء والتسلط، فكان من الطبيعي والمنتظر أن يقع للأمة ما وقع للحمامة التي أرادت يوما ما أن تقلد مشية الغراب فإذا بها تضيع مشيتها ومشية الغراب وتصبح بلا مشية ولا هم يحزنون، ويأسف أي مسلم صادق أيما أسف لما آلت إليه أوضاع العالم الإسلامي من تشرذم وانهيار وترد خطير على جميع الأصعدة السياسية منها والاقتصادية والعلمية والاجتماعية، نفس العالم الإسلامي الذي أنار دروب أوروبا الحالكة الظلمة -بالرجال لا بأشباه الرجال- في القرون الوسطى أيام كانت العلوم تلقن باللغة العربية الفصحى في عقر دار الفرنجة الذين كانوا آنذاك يقطرون قذارة وأوساخا.
غير أن ما كسر ظهر البعير هو أن تنتقل عدوى هذا التردي الخطير  الذي أصاب العالم الإسلامي  برمته كي تطال حتى حجاج بيت الله الحرام الآمنين بأطهر بقعة على وجه الأرض، ويصبح دم المسلمين رخيصا حتى في أوقات السلم وضيافة الرحمان، ويفقد 108 حاجا أرواحهم ويُصاب حوالي  238 بجراح بتاريخ 11 شتنبر 2015 إثر انهيار رافعة، كان بالإمكان تفكيكها هي وغيرها من الرافعات وترحيلها خارج الحرم المكي تبعا لأبسط قواعد السلامة وحفاظا على أرواح الناس مهما كلف ذلك من أموال، والروح عزيزة عند الله أكثر من أي شيء آخر في الوجود،  وماهي إلا 13 يوما حتى صُعِق العالم أجمع للمرة الثانية يوم 24 شتنبر 2015 الذي صادف يوم عيد الأضحى بكارثة  أكثر مأساوية ودموية من السابق، حيث استشهد 769 حاجا وإصابة 863 حجاج آخرين بإصابات متفاونة الخطورة حسب وزارة الداخلية السعودية، بينما تتحدث مصادر أخرى بأن رقم الشهداء تجاوز 2236 والمصابين إصابات متفاوتة الخطورة يعدون بالآلاف من الحجاج، وكان بالإمكان تفادي هاتين الكارثتين اللتين لا يفصل بينهما سوى أسبوعين، من خلال سد كل الثغرات والتفعيل  الأمثل لجميع قواعد السلامة والانضباط واليقظة على الأرض في تأمين حياة الحجاج والأماكن المقدسة، وتحيينها  وتكييفها مع الواقع كلما دعت الضرورة إلى ذلك.
ولا يمكن في أي حال من الأحوال تبرير الواقعتين  من خلال تعليق حادثة الرافعة على رداءة أحوال الطقس قطعيا، وتعليق كارثة منى قطعيا كذلك بعدم امتثال الحجاج لتعليمات وإرشادات وتوجيهات رجال الأمن في المشاعر المقدسة، بالرغم من كون المسلمين بشكل عام أمة فوضوية وفيها الكثير من الهمج والرعاع والأوباش إلا فيما نذر، لا تعرف معنى للنظام والانتظام والانضباط في أي منحى من مناحي الحياة، فإن كانت أحوال الطقس والحجاج عاملين ساهما بشكل أو بآخر بنسبة معينة في حدوث ما وقع، فذلك لا يعني أنهما العاملان الوحيدان، ولسوف تقف لجان التحقيق -التي سارعت المملكة العربية السعودية إلى  تشكيلها مباشرة بعد هاتين الحادثتين- على عوامل أخرى دون شك حتى يمكن تحديد المسؤوليات والوقوف على الثغرات.
وهذا لا ينفي بتاتا جميع المجهودات القيمة والكبيرة التي تبذلها المملكة العربية السعودية كل موسم حج لتوفير كل وسائل السلامة والراحة لحجاج بيت الله الحرام، لكن ينبغي أخذ الدروس والعبر من هاتين الحادثتين والقيام أحسن قيام بالواجب وبعد ذلك ندع الأمور  للأقدار، ورحم الله امرءاً عمل عملا صالحا فأتقنه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق