كآبة لشارل بودلير

 عندما تنطبق السماء المكفهرة الثقیلة كالغطاء
على النفس المتألمة فریسة السأم الطویل
ويلف الأفق بذراعیه كل دائرة
يسكب لنا نهارا قاتما أشد حزنا من اللیالي
عندما تتحول الأرض إلى سجن عفن
ویغدو الأمل وطواطا
یضرب الجدران بجناحيه الخجولة
ويصدم رأسه بالأسقف النتنة
عندما ینشر المطر خیوطه الهائلة
مقلدا بها قضبان سجن واسع
شعب أخرس من العناكب الدنیئة
ينسج شباكه في تلافیف أدمغتنا
أجراس تدق فجأة بشراسة
وتطلق في عنان السماء عویلا مخيفا
كعویل نفوس هائمة بلا وطن
تبدأ بالأنين باستمرار
ومواكب موتى طويلة دون طبول وموسيقى
تمر ببطئ في روحي
الأمل المقهور يبكي والحزن الفظیع المستبد
فوق رأسي المنحني یغرس علمه الأسود
هوامش:
شارل بودلير (1821-1867) شاعر وناقذ فرنسي من أبرز شعراء الحركة الرمزية في القرن التاسع عشر، كانت حياته كلها ضجر وحيرة وتمرد على الأوضاع وهو ما تجلي بصورة واضحة في جميع أشعاره، وقد عبر عن ذلك عندما كتب مرة:"لم يكن بوسعي أن أكتب بطريقة غير تلك التي كتبت بها، إذ أن ما كتبته كان انعكاسا صادقا لنفس مضطربة غائصة لقيعان الرذيلة".
لقد سعى بودلير من خلال أشعاره أن يحرر الإنسان من خلال البحث عن المتعة الحسية والجمال في جميع أشكاله وتجلياته، وقد اعتبر الفيلسوف الوجودي جون بول سارتر بأن شارل بودلير كان ممتلئا بذاته لدرجة الفيضان، وأنه ينتمي كثيرا إلى شخصه فقط لكي يتسنى له التصرف كما يهوى والغوص في نفسه إلى درجة الضياع.
كان شارل بودلير عصبيا متقلب المزاج، محتقرا للأخلاق والقيم البورجوازية التي يصفها بالغباء، وقد كان هذا سببا في مشاجراته المستمرة مع أسرته وأصدقاءه وشركاءه، كان متجولا متسكعا في الطرقات وارتياد المقاهي ومتعاطيا للكحول والأفيون والحياة البذخية التي  كبلته بالديون طوال حياته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق