الحب الحقيقي كالعفاريت لم يرها إلا القليل

*أراد أستاذٌ في علم النفس أن يختبر شخصية تلاميذه، فأمرهم أن يملأوا إحدى الغرف بما يتراءى لهم، فملأها الأول بالقشّ فقال الأستاذ: إنّك تسعى إلى العيش من أقصر الطرق وأسهلها، وملأها الثاني بالنّشارة فقال له :أنت تميل إلى العمل الكثير ولكنّك لا تجني ثمرة جهدك، وملأها الثالث بالكتب فقال له: أنت لا تعتني إلا بالقشور والنّظريات ولا تلمس الواقع أبداً،ـ وملأها الرابع بالأزهار فقال له: إنّ الحياة ليست جميلةً وسهلةً بالدّرجة التي تنظر إليها، فهناك بعض الأشواك التي تدمي البنان، أما التلميذ الخامس فإنّه وضع شمعةً مضيئةً في وسط الغرفة فقال له الأستاذ: أنت أعظمهم لقد فهمت سرّ الحياة، لأنّ من واجبنا أن نضيء الطريق للآخرين.
*يروي الكاتب الفكاهي الأمريكي 'والترو نيشل' أن الأديب الكبير 'ألدوس هكسلي' كان هائما في هوى حسناء فاتنة، فأخذ يتحدث عنها إلى ابن عمه العالم في الطبيعيات 'جوليان هكسلي' قائلاً: لست أدري كيف خُلِقت هذه المرأة؟، فحين أتأمل وجنتيها يخيل إلي أنها خُلِقَت من الورد، وثغرها شهي الطعم كالخمر المعتقة، وجيدها خلق من حليب، وإن جلست بين يديها وسرحت بنظري في سمائها وأرهفت سمعي إلى صوتها قلت: هذا الملاك خُلِق من الشهد المصفى، وبينما هو مسترسل في هذا الخيال الشعري فإذا به يقاطعه 'جوليان هكسلي' العالم الطبيعي قائلاً :ما هذا الكلام الفارغ؟، أنا سوف أقول لك من أي شيء صُنِعَتْ، إن وزنها يبلغ 63.50 كلغ، إذن فهي مصنوعة من كمية من الدهن تكفي لصنع سبع قطع من الصابون، وكمية من الكربون لصنع 9000 قلم، وكمية من الحديد لصنع مساكة لقلم واحد، وكمية من الفوسفور لصنع 2200 رأس عود كبريت، وكمية من المغنزيوم لصنع ملعقة من الملح، ولتر واحد ماء.
*حمل الأديب الإنجليزي 'جورج برنارد شو' صاحب الأدب الواقعي البعيد عن العواطف حملة منكرة على رجال العلم والدين والسياسة وندد بالأطباء والمحامين وهزئ بعلمهم وقواعدهم، فالعلماء عنده بله، والجامعات معاهد للغباوة، والأطباء جزارون يتقاضون على بتر أعضاء الناس وإزهاق أرواحهم أجرا،  وقال: العَالِمُ كسول يقتل الوقت بالبحث فاحذر علمه الكاذب، واعلم أنه أشد ضررا من الجهل، واستطرد قائلا: عقل الغبي يحول الفلسفة إلى سخافة والعلم إلى خرافة والفن إلى حذلقة كما هو الشأن في تعليم الجامعات، والقادر على عمل يعمل والعاجز يعلم، والعمل وحده هو الطريق إلى المعرفة، ويرى أن إباحة تعدد الزوجات هو العلاج لمشاكل الغرب، لأن أوروبا لو أخذت بهذا النظام لوفرت على شعوبها كثيراً من أسباب الانحلال والسقوط الخلقي الفظيع والتفكك العائلي، ويعتبر أن الكتاب المقدس عند النصارى هو أخطر الكتب الموجودة على وجه الأرض، لذا وجب حفظه في خزانة مغلقة بالمفتاح، ولما سُئِل مرة: لماذا تتكلم كثيراً عن المال وزميلك 'ويلز' يتكلم كثيراً عن الأخلاق؟، أجاب: كل واحد منا يتحدث عن الشيء الذي ينقصه، ولما سُئِل عن رأيه في الإسلام، قال: الإسلام حسن ولكن أين المسلمون؟؟؟، أما عن الخمور المنتشرة انتشار الأوبئة حتى في الدول التي تدعي في دساتيرها أن دينها هو الإسلام، فقد أدلى هذا الرجل العظيم برأي قاطع، وحكم لا تردد فيه ولا زعزعة ولا اضطراب، عندما قال بأنه يجب أن يـُمْنَعَ بيع المشروبات الكحولية الشديدة طلباً للربح، وطمعاً في الكسب الوافر منعاً باتاً في العالم كله، وفي مدائن الدنيا بأسرها وإلى الأبد وآخر الدهر، ولا حل لهذه المسألة ولا سبيل إلى ابتكار وسيلة لإبادة الشراب، حتى يُكْرَهَ عَصَّارُو الخمر وتـجارها ومنتجوها على أن يتحملوا نفقات الأمراض والجرائم والخمول وقتل النشاط والمواهب والكفاءات التي تحدثها خمورهم، فإذا تيسر ذلك وَضُرِبَتْ عليهم الضريبة الفادحة وتحملوا إصر جرمهم، انحلت مسألة الخمر من نفسها وابتهج دعاة إبطال الشراب بتة وغلغاء الخمر دفعة واحدة، أما عمن يسمون أنفسهم في العصر الحديث ب (الفنانين) فبرنارد شو يضعهم في مكانتهم القزمية ويحدثهم متحديا:" إن فناناً بلا قضية أو رسالة وطنية إنسانية لا يعدو أن يكون مهرجاً "، ويستطرد قائلا: إنه من المؤسف أننا حين نبلغ مرحلة الحكمة وتتحقق لنا السيادة على أنفسنا والسيطرة على أهوائنا فإن رحلة العمر تكون قد آذنت بالمغيب، ولم يتبق لنا الكثير لكي نستفيد بالحكمة التي اكتسبناها بعد التخبط الطويل في التجربة والخطأ.
و أخنتم هذه الباقة من مواقف هذا الروائي والفيلسوف الكبير بإحدى نوادره، فلقد فوجئ برنارد شو بامرأة اعترضت طريقه مرة وقالت له: لو كنت زوجي لكنت سقيتك السم، فأجابها على الفور: ولكنتُ شربتُه بكل سرور!!.
*تحدث مرة الداهية فولتير فقال: ياللإنسان من ظل خافت ضعيف، وأعجوبة جديدة، وعفريت منكر، يا له من فوضى، ويا له من مناقضة، ويا له من معجزة وآية، هو القاضي الحاكم في كل شيء، هو أرضة ضعيفة من دود الأرض، ثم هو مستودع الحق، وجحر الشك، وكهف الباطل، وهو فخر الكون، وهو خزيه وعاره، إن آخر شيء نفكر فيه بعد وضع الكتاب هو ماذا يجب أن نكتبه أولاً!!... ولم تشككون فى الله، ولولاه لخانتني زوجتي وسرقني خادمي... إن ذوقك هو أستاذك.
*أما لاروشفوكو فقد اعتبر الحب الحقيقي كالعفاريت يتكلم عنها جميع الناس وقليلون رأوها، وأن حب العدل عند سواد الناس ليس إلا الخوف من أن ينالهم ظلم، ولا نستطيع أن ننظر إلى الموت نظرة طويلة ممعنة ثابتة كعجزنا عن النظر إلى دارة الشمس، وأن المصلحة تتكلم جميع الألسن وتستخدم جميع اللغات وتمثل جميع الأدوار حتى دور التجرد من المصلحة، وأن أكثر النساء يحزنّ ويتألمن ويلبسن الحداد لفقد حبيب، لا لكي يظهرن كيف كن من قبل أن يحببن، بل ليُعلَم عنهن أنهن خليقات بالحب مرة أخرى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق