من دور الضيافة إلى قبور السعديين...ماذا تبقى من تاريخنا وهويتنا؟؟؟

لاَ تَسْقِنِي مَاءَ الـحَيَاةِ بِــــذِلَّةٍ     بَلْ فَاسْقِنِي بِالْعِزِّ كَأْسَ الحَنْظَلِ
 مَاءُ الـحَــيَاةِ بِذِلَّةٍ كَــجَهَنَّمٍ     وَجَــهَنَّمُ بِالْـــــعِـــــزِّ أَطْـــيَبُ مَــــــنْــــزِلِ
                                                                      عنترة بن شداد

أمر يوميا مشيا على الأقدام في طريقي إلى العمل من أمام مسجد الكتبية ومنارته التاريخية العملاقة الشاهدة على أقوالنا وأعمالنا، والتي تعتبر بحق رمز فخر واعتزاز ليس لمدينة مراكش فحسب بل لجميع أنحاء المغرب من أقصى شماله بطنحة إلى أقصى جنوب صحراءه بالكَويرة، غير أن هنالك مظهرا  شاذا قلما ينتبه له المارة أو يأبه به (المسؤولون)، وهو وجود علم الفرنسيس الذي ما زال مرفوعا يرفرف فوق مدخل قنصليتهم السابقة التي لم تعد مكانا رسميا.
وليس من الصدفة  أن يختار الفرنسيس هذا الموقع لبناء قنصليتهم وإخفاء ثلثي الواجهة الأمامية لمسجد الكتبية، ثم رفع علمهم رفرافا فوق مدخلها في تحد سافر للمنارة الشامخة للموحدين ومسجدها التاريخي قبلة آلاف المصلين، لأن هؤلاء الأقوام معروف عنهم تاريخيا أنهم أهل دهاء وتخطيط وتنظيم ودقة في الاختيار وهندسة جميع القرارات حتى الصغيرة منها.
لكن أن تُقْدِمَ وزارة الثقافة المغربية على تفويت تدبير المآثر التاريخية لهذه المدينة المحكَورة للفرنسيس، أولها  قصر البديع الذي بناه السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي بعد تولية الحكم وانتصاره الباهر على البرتغاليين في المعركة التاريخية العظيمة لوادي المخازن عام  1578م، والذي  انطلقت به الأشغال في نفس العام واستمرت دون انقطاع لمدة 16 سنة، وكان مخصصا لإقامة الاحتفالات وتنظيم الاستقبالات الرسمية، ويعتبر قصر البديع إحدى روائع الهندسة المغربية، وآية في الروعة وغاية في الجمال قبل تخريبه والاستيلاء على ممرمره وذهبه، حيث كانت أروقته مكسوة بالمرمر ومموهة بالذهب لدرجة أن بعض المؤرخين والجغرافيين القدامى اعتبروه من عجائب الدنيا، ثانيها قصر الباهية الذي  الذي استمر بناؤه  6 سنوات (1894-1900) تنفيذا لأوامر الوزير القوي أحمد بن موسى الملقب بـ 'با حماد'، مسير شؤون الدولة آنذاك في عهد السلطان العلوي المولى عبد العزيز، تمجيدا لذكرى زوجته المسماة 'الباهية' وعرفانا بمودتها وحبها، وثالتها ضريح قبور الشرفاء السعديين الذي تم تشييده سنة 1557م من قبل السلطان عبد الله الغالب، والذي تمت توسعته إبان حكم السلطان السعدي أحمد المنصور، ويعتبر هذا الضريح الذي يضم رفات معظم السلاطين السعديين وأفراد عائلاتهم أحد المعالم التاريخية القيمة التي تضفي على مدينة مراكش عمقها وعبقها التاريخي.
ولا شك أن كل ذي عقل سليم وكل ذي عزة وانتماء  لن يقبل بأي حال من الأحوال بما أقدمت عليه وزارة الثقافة، ولسوف يعتبر هذا النوع من التفويت للفرنسيس  هفوة كبرى وزلة عظيمة بحق الوطن والانتماء وتاريخ الأجداد، فمن بعدما تم تفويت أجمل الرياضات والدور التاريخية بمدينة مراكش لحثالات ورعاع اليهود والنصارى، الذين حولوها على 'عينيك يا ابن عدي' إلى أوكار للمنكر والسفه والفسق والمجون، ها هو الدور قد جاء على الآثار التاريخية التي لا تقدر بثمن لهذه المدينة التي صرت أعتبرها منكوبة أخلاقيا وقيميا، كي يُقيم هؤلاء العلوج السهرات والحفلات ويرقصون ويغنون ويحتسون كؤوس الخمور المعتقة على بطون الحسناوات المائلات المميلات حتى الساعات الأولى من الفجر على رفات الرجال العظام في تاريخ المغرب، الذين زلزلوا الأرض من تحت أقدام الصليبيين، فيا لسخرية القدر !!، أشعر وكأن الدنيا توشك أن تحدث أخبارها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق