جولة بين الممرات الراقية لمدينة مراكش

لما استقر الفرنسيس مع مطلع القرن العشرين بالمنطقة العصرية المسماة جليز، درسوا جيدا وبعمق تقاليد السكان وعاداتهم  والبيئة والمناخ والمناظر الطبيعية والمآثر التاريخية لمدينة مراكش، لهذا جاءت تصاميم الشوارع والبنايات مواتية ومتزنة ومتناسقة مع المدينة، باستثناء وحيد ألا وهو حجب ثلثي الواجهة الرئيسية عنوة وعن قصد لمسجد الكتبية التاريخي بواسطة قنصلية الفرنسيس السابقة، وبعد الاستقلال بدأ المغرب يصنع كوادر (فيها غير الكادر والديكور وكثرة الفهامة) لا تهتم لا بتقاليد ولا ببيئة ولا بمناخ ولا بمناظر طبيعية ولا بمآثر تاريخية، لذلك أضحت المدينة عصيدة عمرانية بما في الكلمة من معنى مثل 'عرام الدشيش التحتاني ما يعيش'، ما كاين غير الفوضى وزيد القدام.

حتى البلاستيك التافه الذي لا أصل ولا قيمة له أصبح يتطاول في عنان السماء متحديا كل شيء جميل وأصيل وعريق.
 كل شيء أصبح يعاني تحت وطئة الهمجية والتكاثر السكاني: الحيوان والجماد والأشجار والبيئة.

قتل الله ومحق من عمل عملا وتركه على هذه الحال استهثارا بأرواح وسلامة الناس سواء كان فردا أو إدارة، أما عن أعمدة الكهرباء المتلاشية وأسلاكها الخارجة منها كالمصارين فحدث ولا حرج (تم إصلاح هذه الهفوة لاحقا بوضع غطاء إسمنتي مناسب على الفتحة).
 متسكع فاقد للعقل لتجرعه الكحول يوقف أحد المارة ويفرض عليه أن يناوله بعض البقشيش بالقوة، من بعدما أدخل الرعب في قلوب مجموعة من النسوة كن بانتظار حافلة النقل الجماعي أمام أعيني، وعلى المرء الآن أن يعتمد على نفسه ويتعلم فنون القتال من كراطيه وملاكمة أو أن يحمل معه عصا غليظة يهشم بها رأس كل من يحاول تهديد حياته أو سرقته.
 هذا كل ما تعلمه البراهيش خريجو معاهد أولاد الحرام: كثرة الضسارة بلا حدود ولا كوابح.
معظم الإشهارات المبثوثة على اللوحات الإشهارية التي أصبحت تنمو كالفطر بشوارع المدينة وواجهات المحلات وحافلات الشركات تحتل فيها امرأة - كل قطعة من جسدها مُقاسة بالمليمتر-  كل الصورة، فماذا يبيع هؤلاء الأقوام جسد المرأة أم سلعتهم البائخة؟ 
 حائط منعرج لأجل بقاء نخلة متروكة مهملة، تذكرني هذه الصورة الكاريكاتورية بحكاية ذلك القروي الذي جرفت سيول الوادي بقرته، فبدأ يصيح بأعلى صوته يا عباد الله 'أعتقوا الروح'، فهب جميع سكان القرية عن بكرة أبيهم وأنقذوا البقرة، وبمجرد استعادة القروي لبقرته صحيحة سالمة قام بذبحها خوفا عليها من الهلاك.
أشغال مغشوشة، يسألونك عن البيئة الطبيعية قل إن علمها عند المجتمعين وراء الأبواب المغلقة في تقاريرهم ودراساتهم المكدسة والمهملة في مزابل الأشريفات عفوا الأرشيفات.
هوائي تلفزيوني فريد من نوعه، لا زال يصارع صامدا أمام تسونامي الصحون المقعرة المستبدة التي قعرت عقول الناس وتركتهم كأعجاز نخل خاوية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق