عينا الجحود ضيقتان وأنفه حاد كالإبرة

يمكن للمرء السوي أن يغفر كل شيء إلا الظلم والجحود واللاإنسانية، وللجحود طلبات ورغبات وأمنيات لا تنتهي، تأتي تباعا بسلاسة وسهولة عز نظيرها، وغالبا ما يحصل الجحود على ما يريد وأحيانا أكثر بدون خجل ولا وجل،  ثم ما يلبث أن ينسى سريعا بدون أن يشعر بوخز ضمير أو ندم، وكيف لرذيلة تصيب النفوس الدنيئة أن تحس بالندم؟، غير أن أبغض الجحود والأكثر شيوعا في العصر الحاضر والذي يدمر الأنفس العزيزة تدميرا  هو جحود الأبناء لآباءهم، والتاريخ نفسه قد ملئت أسفاره بكل أنواع الجحود البشري، وكم من الأناس الأخيار الطييبن  قَرَأْتُ على شواهد قبورهم عبارة 'الجحود البشري' بدل أسماءهم وتواريخ وفاتهم.
وقد صادفت الجحود مرارا وتكرارا في طريقي المغبر على دروب الحياة المتشعبة، وكلما حملقت جيدا في عينيه الصغيرتين الضيقتين المرتبكتين وجبهته الناتئة وحاجبيه المعقوفين المتلاقيين فوق أنفه الحاد كالإبرة وشفتيه الرقيقتين كعود الثقاب، أدركت جيدا علامات الإنتهازية والدناءة والسلاطة والخذلان، وحاولت تجنبه وتجنب الحديث معه، غير أنه كان يتمسكن ويتمظهر أمامي بالطيبوبة واللطف والتدين والتخلق، فأشفق لحاله ومظهر ضعفه، ثم ما ألبث أن أخفض له من جناح الذل من الرحمة والطيبوبة والإنصات، فيبدأ بحديثه الذي لا ينتهي ولا تنتابه استراحة أو انقطاع، يجول بي في كل ركن من أركان العالم، ويحدثني عن جميع أخبار الأسر والأمم، ابتداء من الطعام وانتهاء بالحمام، وخلال سرده الرمادي الطويل كان يسرق نظرة خاطفة ماكرة في أي سهو مني يستطلع من خلالها هل أينعت رأسي وحان قطافها أم لا زال في العمر بقية.
ومن طبيعتي أو ضعفي -لا أدري- أنني أكره طول المقدمات وكثرة الثرثرة والزواق والنفاق، لذا كنت أحدث الجُحُودَ بنبرة حازمة و لطيفة في نفس الوقت بأن يلج إلى صلب الموضوع ويختصر في حديثه قدر الإمكان، فأراه يتبرم ويحاول أن يختلق عذرا أقبح من ألف زلة، وكأن به يحاول إخماد نار لم يشعلها بعد، ويمضي الوقت سريعا ويزداد حنقي وغضبي على هذه الآفة بمقدر ما تزداد صفاقتها وثرثرتها التي لا فائدة تُرْتَجَى منها، ثم أعزم في الأخير وأتوكل على الله وأقول للجحود في عينيه: ماذا تريد؟، أتريد واحدة من هذه الأشياء التافهة التي تظنني أنت أنني أمتلكها، وما أنا بمالكها بل هي التي تمتلكني؟، هيا خذ منها ما تريد وقدر ما تريد وخلصني من استعبادها لي، أو لعلك محتاج لبعض المال تسد به نهمك ونزواتك ورغباتك التي لا تنتهي؟، فينقطع فجأة عن الكلام ويُصاب بالخرس التام ويحرك فقط رأسه، فأناوله ما جاء لطلبه وأقطع رجائي فيه ولا أعول عليه أبدا، لذلك ما خابت أبدا فراستي في الجحود وما علقت عليه آمالا أو قضاء مصالح ومآرب بالمقابل أو رده للجميل.
ثم يعود الجحود من حيث أتى وقد أصاب غنيمته كما يتصور له، وينساني وينسى أصلي ومفصلي وعشيرتي، كما أصر أيما إصرار أنا الآخر أن أنساه وأنسى عقيدته وجنسيته وأصله ومفصله، ولا يظهر الجحود مرة أخرى أمامي إلا عندما يشعر أن غنيمته السابقة مني قد تقادمت وطواها نسيان الذاكرة والزمان، وبأن رأسي قد أينعت وحان قطافها مرة أخرى، في تعبير صارخ على أن ليس هنالك شيء أقسى من جحود بني البشر.    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق