زَمَنُ الأَغْبِيَاءِ وَحُثَالَةِ الدَّهْمَاءِ

ليس باستطاعة العبقرية والذكاء البشريين أن يقفا ويصمدا لدقيقة واحدة في وجه غباء الموضة العصرية الحالية، موضة الأشياء، كل هذه الأشياء المحيطة بالبشر من آخر مبتكرات التكنولوجيا  التي أضحت تسلسل أعناق الخلق وتستعبدهم وتسلبهم أعز ما عندهم: الكرامة والحرية والذكاء.

والطامة العظمى في الوقت الراهن تكمن في أن الغباء صار ملكا متوجا واثقا من نفسه أكثر من اللازم وأكثر من أي وقت مضى، في حين أن العقل  أضحت تساوره الكثير من الشكوك حتى في ماهيته وكينونته، بل في سر وجوده في عالم انتصر فيه الغباء بالضربة القاضية، وأضحى العالم الحديث تقوده شرذمة من الأغبياء والحثالات البشرية في جميع ميادين الحياة، وبذلك توارى عن مسرح الأحداث ما تبقى من العقلاء والأذكياء أو أخذتهم أيدي المنون أو زهدوا في المناصب والكراسي، تاركين بذلك الأغبياء وحثالات الدهماء فيما بينهم يتناسلون ويتفاخرون ويتقاتلون ويتفانون على الكراسي والدراهم.
ولعل الطبيب الجراح الفرنسي الكبير ألكسيس كاريل الثائر على مهنة الطب لأنه كان يؤمن أيضا بالروح خلافا لمعتقدات معشر الأطباء الذين يعتبرون الإنسان مجرد مصنع  ‘factory’ تتم بداخله مجموعة من التفاعلات الكيماوية لا أقل ولا أكثر، قد كان مصيبا جدا في كتابه الممتع والمفيد "الإنسان ذلك المجهول" -الذي قرأته أكثر من مرة وسأبقى كلما راودني الحنين إلى أفكار هذا الرجل ذو الفطرة السوية النقية أُعِيدُ قراءته- لما أرجع تدهور مستوى الطبقات (المثقفة) إلى انتشار الصحف انتشارا واسع المدى، وكذا إلى انتشار الأدب الرخيص أو صحافة السخافة والثفاهة، وغزو الراديو ودور السينما (في ذلك الوقت لم تكن الفضائيات والأنترنت قد سمما  الدنيا وملآها فسادا عظيما)، واعتبر أن كل هذه العوامل مجتمعة أدت إلى توسع الطبقة الغبية بشكل رهيب وازديادها باطراد، بالرغم من كمال المناهج التي تدرس في المدارس والكليات والجامعات، وأثار علامة تعجب في كون  بلادة الدهن توجد غالبا حيثما تتقدم المعرفة العلمية، لأن أطفال وطلبة المدارس يكونون عقلهم من البرامج السخيفة والتافهة التي توضع لوسائل التسلية العامة، ومن ثم فإن البنية الاجتماعية العصرية تناهض نمو العقل وتدمر ملكاته بكل قوتها بدلا من أن تعمل على هذا النمو.
غير أن شاعر الحمراء محمد بن إبراهيم المراكشي المعروف بنكتته وخفة دمه وسرعة بديهته وتهكمه على الواقع  المعاش كان له رأي آخر في الأغبياء، لأنه امتدحهم في القصيدة التالية، وجعل منهم مكونا أساسيا وضروريا لاستمرارية حياة الجنس البشري، إسوة بالجهال والبخلاء واللئام والسفلاء وباقي الحثالات البشرية:
كَــــــــثَّــــــــرَ اللهُ زُمـــــــــــْرَةَ الأَغْــــبِيَــــــــاءِ     وَجَــــــزَاهُمْ خَيْراً عَنِ الأَذْكِــــيَـــــاءِ
وَوَقَاهُمْ مِنْ كُــــلِّ عَــــــيْنٍ تُؤَدِّي     بِـهِمُ لانْقِــــــــــرَاضِهِمْ وَانْقِـــضَـائِي
لاَ عَــــدِمْنَا لَـهُمْ وُجُـــــــوداً فَـــلَوْلاَ     هُمْ لَمَا بَانَ قَطُّ فَضْلُ الذَّكَاءِ
وَذَوُو القَــــدْرِ وَالـمـَكَــانَةِ سَاوَوْا     غَــــيْرَهُمْ مِنْ حُــــثَالَـةِ الدَّهـْــــــمَاءِ
خَلَقَ اللهُ فِي الــتَّـــــــــبَايُنِ سِـــــــــــــرّاً     بَلْ حَوَى فِيهِ حِكْمَةَ الحُكَمَاءِ
فَبِهِ امْتَازَ عَالِـمٌ مِنْ جَــــــهُـــــــولٍ    وَكَـــــرِيـــمٌ عَنْ زُمْـــــرَةِ البُــــخَــــــــــــــــلاَءِ
آهِ لَوْلاَهُمُ لاَسْتَوَى كُلُّ ضِدٍّ     مَعَ ضِــــــــدٍّ بِلاَ كَـــبِيــــرِ عَــــنَـــــــــــاءِ
وَاسْتَوَى فِي الأَنَامِ خَيْرٌ وَشَرٌّ    وَتَسَـــــاوَى نُـــــــــــورٌ مَعَ الظَّـــــلْــــمَــــاءِ
وَلِــــــذَا فَــــلْـــيَدُمْ لِــــــئَـــامٌ وَبُــــخَّــــا     لٌ وَسُـفْـــلٌ وَعَاشَ أَهْـــلُ الْغَــــبَاءِ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق