قمة المناخ أم قمة أكل الأمخاخ


المقال التالي كنت قد كتبته في أواخر شهر ديسمبر من سنة  2009 أي قبل 6 سنوات ( كم يمر الوقت بسرعة!!!)، وأظن أن كلماته وحمولته لم تتقادما وما زالتا  صالحتين إلى اليوم، وتنطبق في المجمل على ما تمخض عنه مؤتمر التغيرات المناخية 21 (كوب21) الذي انعقد بالعاصمة الفرنسية باريس في الفترة الممتدة من 30 نونبر 2015 حتى 11 دجنبر  2015  بمشاركة  ممثلي195 دولة:
انتهت مؤخرا ما سُمِيَتْ بقمة بالمناخ بعد12  يوما من المراوغات والكذب والنفاق (وتأجيل مرة أخرى الإلزام القانوني للدول لتتحمل كامل مسؤولياتها من أجل إنقاذ كوكب الأرض من انهيار خطير لا سابق له)، من طرف ضغوطات الدول المستكبرة على الدول المستضعفة والفقيرة، وانفض اجتماع الأقوياء بحضور ضعفاء لا قوة ولا حيلة لهم، مخلفا وراءه مجرد مجموعة من المجاملات والابتسامات الصفراء ومجموعة من قصاصات الورق غير ملزمة لأي كان، مع خيبة أمل كبيرة لمستقبل كرة أرضية تئن وتتألم تحت وطأة كبار الملوثين من الدول الصناعية، الذين لم يتنازلوا قيد أنملة عن أنانيتهم واستمرارهم في تسميم أجواء العالم والزج به في متاهات لا يعلم مدى خطورتها إلا الخالق تعالى، وقد عبر الرئيس الأمريكي عن عدم رضوخ الدول المستكبرة وعدم التزامها من الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 50 ٪ على الأقل بحلول عام2050  للحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض ما دون2  درجات مائوية مقارنة مع الفترة ما قبل الصناعية (كوب 21 تعهد بإبقاء مستوى الاحتباس الحراري في أقل من 2 درجات بحلول عام 2100، وسيبذل جهوده لجعل هذا الارتفاع بمستوى 1.5 درجة إن أمكن ذلك بالطبع، مما سيسمح بخفض المخاطر المرتبطة بالتغير المناخي بشكل كبير حسب تمنيات المؤتمرين، غير أن عيوب هذا الاتفاق أنه جد مرن 'يعني مليء بالثقوب والفتاوي'، مما يفتح الأبواب على مصاريعها للدول أن تفعل ما تقدر عليه بشكل يعكس قدراتها الوطنية واقتصادياتها، فهو في آخر المطاف مجرد اتفاق غير ملزم قانونيا، لأنه بكل بساطة لا يشمل فرض عقوبة على البلدان التي لا تلتزم بحدود انبعاثاتها، فالواقع شيء والتمنيات شيء آخر)، وكأن لسان حال دول الاستكبار العالمي تقول من تحت الدف:"خراب العالم ولا خدش واحد في أصبعي'.
وتؤكد دراسة نشرت مؤخرا في مجلة 'نتورال جيوساينس' بأن الزيادة المتوقعة في مستوى ارتفاع سطح البحار جراء الاحتباس الحراري تقدر ب حتى 82 سم بل تذهب بعض التقديرات إلى أرقام أكثر تشاؤما  عندما عبر علماء المناخ في وكالة ناسا الأمريكية بأن هذا الارتفاع قد يصل إلى 2.25 متر بحلول نهاية القرن الحالي، مع العلم بأن ارتفاع مستوى البحر ب 50 سم سوف يهدد بالفياضانات كل المناطق التي توجد على مستوى سطح البحر، التي يقطنها 634 مليون شخص ويعيشون على الساحل على بعد 10 أمتار فقط من مستوى سطح البحر، كما أن 13 ٪ من سكان العالم الذين يعيشون في المناطق الحضرية على الساحل هم أيضا معرضون للخطر، وقد قدرت منظمة التعاون والتنمية إلى أن ارتفاع 50 سم في مستوى سطح البحر سوف يعرض 150 مليون شخص لخطر الفيضانات خلال العواصف الشديدة، ووفقا لتقديرات المعهد الدولي للبيئة والتنمية فإن 143.880 شخصا في الصين مهددين بسبب الفيضانات الساحلية، أما فيما يخص الهند وبنغلاديش فالتقديرات تشير على التوالي إلى 63.118 و 62.524 شخصا مهددين بالغرق.
وفي حال ارتفاع مستوى سطح البحر فإن 88 ٪ من سكان جزر البهاما و76 ٪ من سكان سورينام و 74 ٪ من سكان هولندا سيعانون الأمرين من الفياضانات، وإضافة إلى الخسائر المحتملة في الأرواح والأضرار في الممتلكات فإن هذه الفياضانات سوف تتسبب في حدوث تسربات كبيرة وخطيرة من المياه المالحة إلى مصادر المياه العذبة المستخدمة من قبل سكان المناطق الساحلية، والتي سوف تؤثر سلبا لا محالة على موارد المياه الصالحة للشرب.
أما فيما يخص عمليات تمويل برامج للحد من آثار انبعاث غازات الدفيئة التي تمخض عنها هذا المؤتمر، والتي هي على شكل مساعدات مالية تقدم للدول المستضعفة والفقيرة، فلا تعدو أن تكون سوى نوع من در للرماد في العيون وتوزيع فتات موائد الأغنياء على فقراء ومعدمي هذا العالم الذين يتحملون تبعات كوارث لم يكونوا سببا فيها لا من قريب ولا من بعيد، ولأجل التمويه والمراوغة التزمت الدول الصناعية جماعيا بتقديم موارد سمتها بالجديدة والإضافية للدول الأكثر ضعفا بما مجموعه 30 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات، كما تعهد أكبر الملوثين على الكرة الأرضية الولايات المتحدة بتقديم 3.6 مليار دولار، هذا إضافة إلى حزمة من المساعدات للدول الفقيرة لتتكيف مع الوضع المنذر بالكوارث من المتوقع أن تصل إلى 100 مليار دولار سنويا بحلول عام 2020، ويصاب المرء بالدوار والصدمة عندما يعلم أنه عندما كان المؤتمرون يضعون النص النهائي لمؤتمرهم الفاشل صادق الكونجرس الأمريكي على ميزانية عسكرية برسم سنة 2010 مخصصة فقط للقتل وإخضاع الشعوب المستضعفة بقيمة 636 مليار دولار، منها ما يناهز 100 مليار دولار لا غير للحرب على العراق وإفغانستان.
 إن سياسة أمريكا في الشرق الأوسط على الخصوص والعالم على العموم لم ولن تتغير سواء بأوباما أو غير أوباما، وستظل عيونها التي لا تنام في الأرض والسماء على آبار نفطه وليس لسواد عيون شعوبه حتى سحب آخر قطرة منه مخلوطة بالآهات والدماء، وسوف تظل تطمر نفاياتها النووية المشعة وقاذوراتها الملوثة الخطيرة والمميتة في البحار والأنهار والصحاري وأراضي الدول الفقيرة والمعدمة التي تبيع مستقبلها مقابل كسرة خبز في جميع أنحاء العالم.
لقد صدق الشيخ الشرقاوي رحمه الله صاحب حلقة الحمام بساحة جامع الفنا، الذي كنا نتابع كلامه المرصع الرزين والمليئ بالحكمة ونحن أطفال صغار بعد خروجنا من مدرسة يوسف بن تاشفين الإبتدائية، عندما كان ينفخ في "الركَيلة" أو الغليون فيحدث ذلك صوت غرغرة، فيقول محدثا رفيقه في الحلقة: "البَابُّورْ قَلَّعْ"، والبابور هو الباخرة، فيرد عليه صاحبه الأعمى الذي كنا نسميه بالبصير رحمه الله:"آش جَايْبْ؟" يعني ماذا يحمل معه، فيقول الشرقاوي: "جَايْبْ الَحْزَاقْ مَنْ الْمِرِيكَانْ"، لقد انتهى بالفعل مؤتمر كوبنهاجن على وقع كلمة الشرقاوي الأخيرة.
ملاحظة: الكتابة باللون الرمادي تمت إضافتها أواخر سنة 2015 إلى المقال الأصلي الذي تمت كتابته أواخر سنة 2009.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق