العاطي الله

ليس باستطاعتي تغيير كل ما يروج في هذا العالم السفلي من مظالم ومفاسد ومكاره ونقم، ولأجل التغطية على فشلي الذريع بهذا الصدد كنت كثيرا ما ألجأ إلى تغيير الديكورات، كأن أمشط شعر رأسي جهة اليسار المعارض أو أرجعه إلى الخلف المتخلف عوض جهة اليمين المتطرف، أو أن أحتذي حذاء رياضيا مريحا عوض حذائي العادي، أو أن أغير تموضع مكتبي في الغرفة، وأغير في نفس الوقت ترثيب جميع ما عليه من أوراق مبعثرة وكراسات مكدسة.
ورغم ذلك كنت أجد أن جميع أموري تأتي دائما بما لا يتوافق مطلقا مع نظرياتي وانتظاراتي وتطلعاتي، فحدثني بعض الخلق من الفهماء الذين قطعوا أشواطا عظمى في كثرة الفهامة  وحلق الرؤوس بلا ماء، بأن المشكلة لا تكمن في تغيير ديكوراتي ولكنها تكمن بالأحرى في تغيير أموري وتحديد أهداف عالية الحداثة، ثم الضغط على المكابس حتى الحدود القصوى دون مراعاة لما يمكن أن يتمخض عن ذلك من هلاك ورفس وطحن للآخرين لدرجة الإستهتار بأرواح الناس، وهو الشيء الذي صرت ألمسه عن كثب في كل ما يدور من حولي من أمور الدنيا، التي باعت شرفها وعزتها وصارت تتمدد وتتقلص تناسبيا مع يُغْدَقُ  به عليها من الأموال  أو ما يُبْخَلُ به عليها، ولا يهم البتة محاولة السمو نحو النموذج الأخلاقي المثالي الذي يبدو بالنسبة لها هدفا كالرمال المتحركة التي من المستحيل الثبات فوقها، بينما هو في حقيقة الأمر البلسم الشافي المتجلي في تغليب  الحقيقة  والعدل والعدالة على الأهواء والمصالح الآنية الضيقة والعصبيات المذهبية والطائفية التي تنخر في جسد الأمة نخرا يكاد يرسلها جراء ذلك إلى حتفها.
ولعل خير مثال على ما سبق هو الأزمة التي تعصف في الوقت الراهن بالعلاقات بين إيران والمملكة العربية السعودية بسبب  إعدام هذه الأخيرة ل 47  شخصا من بينهم الشيخ النمر، الذي في اعتقادي الشخصي لم يكن يستحق هذا الحكم البالغ في القسوة إلى هذه الدرجة، وليس من الحكمة ولا من المنطق السليم والتعقل الرزين أن تصل الأمور إلى هذه الدرجة من التدهور لتزيد الزيت صبا  على النار في منطقة هي أصلا متفجرة على براميل من البارود،  لن ينجو أحد من لهيبها إن  هي تفجرت لا قدر الله.
غير أن بيت القصيد وما أثار انتباهي بدرجة كبيرة جدا في هذه الأزمة هو الهرولة الكاريكاتورية لبعض الأنظمة العربية الكرطونية لقطع علاقاتها الديبلوماسية مع إيران أسوة بالمملكة العربية السعودية بسرعة البرق وبدون أي سبب يذكر، ولم أشاهد ولو واحد على عشرة آلاف لمثل هذه الهرولة النزقة حتى عندما  كان الصهاينة يدكون غزة في صيف 2014 طيلة 50 يوما، مما أدى إلى استشهاد  2148  فلسطيني 90  % منهم مدنيون، من بينهم 577  طفلا و260  امرأة و101مسنا، وجرج ما يناهز 11000 آخرين بجراح متفاوتة الخطورة،25    % منهم سيحملون إعاقات دائمة مدى الحياة، من بينهم 3192  طفلا و1970  امرأة و368  مسنا حسب وزارة الصحة الفلسطينية، ونزوح أزيد من 267970  فلسطيني حسب منظمة الأونوروا بقطاع غزة، كما لجأ حوالي  200000  نازح آخر على الأرجح لدى الأقارب والأصدقاء، بينما نزح آلاف آخرون إلى المدارس الحكومية، بالإضافة للدمار الكبير الذي سببه هذا العدوان الهمجي والمتمثل في1.20  مليون طن من الركام الناتج عن تدمير المنازل والمؤسسات الرسمية الحكومية والمدارس والجامعات والمساجد والكنائس والمنشآت الصناعية والزراعية والبنى التحتية، وقد تجلى ذلك في تدمير ما يناهز %30  من مساحة غزة التي لم تعد صالحة للسكن، بحيث تضرر 150  مسجدا و40000  وحدة سكنية بأضرار بليغة ومتوسطة، وتم تدمير بشكل كلي  ل 81 مسجدا و10000  وحدة سكنية ،كما تضرر أيضا بأضرار متوسطة 230 مدرسة و 25  عيادة و 350  منشأة صناعيىة والعديد من المنشآت الزراعية إضافة لتضرر عدد من الجامعات والمباني العامة.
لماذا؟، لأن الفلسطينيين شافهم الله، ليس لديهم ما يعطون، العاطي الله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق