أدباء عشقوا الحرية فماتوا أحرارا

"كل عبد يستحق السيد الذي يستعبده"
                             محمود عوض
يقول الكاتب الصحفي المصري المرموق، صاحب الأسلوب الأدبي والفني الرفيع الرشيق، وصاحب الثقافة الموسوعية العميقة،  أحد أعمدة الصحافة المصرية الملقب بعندليب الصحافة محمود عوض رحمه الله (1942-2009) عن مؤلفه 'أفكار ضد الرصاص': "إنني أستطيع أن أعطيك قلبي فأصبح عاشقا، أعطيك طعامي فأصبح جائعا، أعطيك ثروتي فأصبح فقيرا، أعطيك عمري فأصبح ذكرى، ولكنني  لا أستطيع أن أعطيك حريتي، إن حريتي هي دمائي، هي عقلي، هي خبز حياتي، إنني لو أعطيتك إياها فإنني أصبح قطيعا، شيئا له ماض ولكن ليس أمامه مستقبل".
ولعل ما يتمتع به هذا الكاتب الكبير من صفات يجعل منه توأما في الروح للكاتب الليبي  الراحل الصادق النيهوم  رحمه الله (1937-1994) ، فالإثنان ثائران متمردان على كل شيء في هذه المدينة الغير شريفة والغير فاضلة التي أقامت حضارتها المغشوشة على المظاهر والنفاق،  كلاهما زهد في الدنيا والمناصب والكراسي البائدة، وكلاهما رفض الانضمام إلى أي تيار أو حزب سياسي، وكلاهما كان صادقا بدون نفاق لدرجة تثير الإعجاب بالرغم من انتقادات الناس لهما،  لم يثنيهما قول الحق ومقارعة الباطل والدفاع عن المستضعفين والمظلومين والمقهورين، وكلاهما لم ينحن قط للظلمة والطغاة والفاسدين المفسدين من أصحاب الأموال، مما حتم عليهما أن يعيشا وحيدان، وأن يغادرا هذه الدار البائرة وحيدان بعد معاناتهما كليهما مع المرض في آخر أيام حياتهما، لم يتركا شيئا من حطام الدنيا، لكنهما تركا فكرا حرا جريئا صادقا، ولعل دعوة  رئيس الوزراء المصري الأسبق عزيز صدقي لمحمود عوض للإنضمام إلى الجبهة الوطنية يإلحاح كبير تؤكد ذلك، عندما رد عليه محمود عوض بقولته المدوية: "أنتم أناس تودون حكم مصر، أما أنا فلا أود حتى أن أحكم شارعنا".
توفي محمود عوض وحيدا بشقته ولم يعلم به أحد إلا خالقه، أما الناس المشغولة بدنياها فلم تعلم بالخبر إلا بعد انصرام يومين على وفاته، ولم يتم اكتشاف وفاته إلا بالصدفة، لما تأخر عن تسليم مقاله الأسبوعي لصحيفة "اليوم السابع"، مما حدا بمسؤولي الصحيفة أن ييعثوا  بأحد المندوبين إلى منزل الراحل لتسلم المقال من بعدما تعذر الاتصال به هاتفيا بعد محاولات عدة، وصل المندوب إلى باب المنزل وبدأ يقرع الباب لكن دون جدوى، فعاد إلى مقر صحيفته، وتم  الاتصال بشقيق الراحل الذي انتقل فورا إلى عين المكان وقام بكسر باب المنزل ليكتشف الكاتب جثة هامدة، هذا كل ما في الأمر وبذلك يُعرف الله جل وعلا.
ترك الراحل مجموعة جد قيمة من المؤلفات أذكر منها: 'أفكار إسرائيلية'، 'أفكار ضد الرصاص'، 'ممنوع من التداول'، 'متمردون لوجه الله'، 'وعليكم السلام'، 'بالعربي الجريح'، و'من وجع القلب'، من أقوال هذا الكاتب الصحفي الإنساني الكبير:
*الصمت تفكير وكلما زاد الصمت زاد المفكرون.
*كل عبد يستحق السيد الذي يستعبده (عن مؤلف أفكار ضد الرصاص).
*الأسماك الميتة فقط هى التى تسبح مع التيار (من مؤلف أفكار ضد الرصاص).
*الخروج عن القطيع هو في الواقع أمر يتطلب شجاعة بالغة (عن مؤلف أفكار ضد الرصاص).
*أمة تطعن حكامها سرا وتعبدهم جهرا لا تستحق الحياة (عن مؤلف متمردون لوجه الله).
*كي يستمر الاستبداد لايكفي أن يوجد حاكم مستبد أو حكومة مستبدة، لابد أيضا من شعب يقبل هذا الاستبداد، لابد من إنسان يريد أن يسلب حرية غيره، وإنسان آخر يقبل النزول عن حريته لغيره (عن مؤلف أفكار ضد الرصاص).
*هل نريد مواطنا يصفق، أم مواطنا يفكر؟، أنريد عقلا يوافق، أم عقلا يشك؟، أنريد تاريخا نقدسه، أم نريد حقائق نفحصها؟، أنبحث عن ماضِ يُحيرنا أمره، أم عن مستقبل يٌحيره أمرنا (عن مؤلف أفكار ضد الرصاص).
*إن المستبد يريد من حوله بطانة تغذى فيه نقاط الضعف، على حين يريد الحاكم مساعدين يؤكدون فيه نقاط القوة، لهذا فعندما ينتهى كل شىء نجد أن المستبد قد ترك خلفه كلابا تتقاتل على السلطة، بينما الحاكم يترك خلفه تقاليد تحكم السلطة (عن مؤلف أفكار ضد الرصاص).
*لكل إنسان قضية، ولكل قضية جائزة، ولكل جائزة ثمن، السياسي يخاطب في الناس مصالحهم، إن جائزته  هي الحصول على التصفيق، وثمنه هو أن يخسر الاعتراف، رجل الدولة يخاطب في الناس ضميرهم، إن جائزته هي الخلود وثمنه هو العذاب..سنوات من العذاب، المفكر يخاطب في الناس عقولهم، الجائزة هي الاحترام، والخسارة هي أن يعيش دائما فقيرا، ومفتاح التقدم في كل مجتمع هو أن تكون اللعبة واضحة مقدما، والسباق لا غموض في قواعده، والاختيارات محددة سلفا، لكي يختار كل إنسان طريقه، وهو يعرف مقدما ما ينتظره (عن مؤلف متمردون لوجه الله).
*السلطة في المجتمع العربي كانت لها دائمًا مقاييسها الخاصة التي تخفيها دائمًا و تعلنها أحيانـًا، إنها تعتبر أن الخوف صبر، والجمود عقل، والتطور جنون، والتجديد إلحاد، والحرية كفر، والتفكير جريمة، والضعف نعمة، والجبن قيمة، والشجاعة رذيلة، والصمت حكمة، والجهل فضيلة، والتمرد زندقة، والإختلاف خيانة، والظلام نور، والظلم عدل، والطغيان قوة، والإرهاب قانون، والحاكم إلاه، والمرأة حيوان، والشعب عبيد، والتاريخ أسطورة، والماضي مقدس، والحاضر مقبول، والمستقبل ملعون (عن مؤلف أفكار ضد الرصاص).
*لا يكفى في مجتمعنا أن نحب العدل فالوجه الآخر هو أن نصحح الظلم، لا يكفى أن نشجع الجمال ولكن علينا أن نطارد القبح، لا يكفى أن نؤازر الصدق لأن هذا لايكتمل إلا بأن نحاصر الكذب، لا يكفى أن نتمسك بالخير، لأن الخير لن يصبح خيراً إلا بعد أن نؤكد مرة بعد مرة أننا نحارب الشر (عن مؤلف من وجع القلب).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق