مأساة المسلمين في قصة زائر سماوي لخالص جلبي

يعتبر الطبيب الجراح والمفكر الإنساني السوري المولد الكندي الجنسية خالص جلبي من صفوة الكتاب المعاصرين المتميزين في العالم العربي، في التعبير وإيصال الفكرة  للقارئ بدون مراوغات ولا إطناب ولا حشو في الكلام أو لغو بلا فائدة، والحق يُقال إنني كنت وما زلت من القراء الأوفياء والمولعين جدا بمقالات هذا الكاتب إلى جانب  كتاب عمالقة أمثال الصادق النيهوم، محمود عوض، علي الوردي، مصطفى محمود، العقاد، المهدي المنجرة، الذين كنت ألمس الصدق في كتاباتهم وعدم التصنع بالإضافة إلى تواضعهم، وغيرهم من الكتاب الأفاضل الآخرين الذين أستسمحهم إن خانتني الذاكرة في استذكارهم جميعهم.
وباختصار فإن المفكر خالص جلبي كما قال هو عن نفسه سوري المولد، عربي اللسان، مسلم القلب، ألماني التخصص، كندي الجنسية، عالمي الثقافة، ثنائي اللغة (لغة التراث ولغة المعاصرة)، ويدعو إلى الطيران نحو المستقبل بجناحين من العلم والسلم.
وقد أصاب كبد الحقيقة  لما اعتبر أن المجتمع العربي والإسلامي مصاب بعشرة أمراض (المرجع كيف تفقد الشعوب المناعة ضد الاستبداد): تقديس الآباء، تأليه القوة، احتقار العلم، تبرءة الذات واتهام الآخرين، إجازة الغدر، ظن أن النص يُغني عن الواقع أو مرض انفكاك النظرية عن الممارسة والتاريخ، الاهتمام بفضائل الجهاد بدون معرفة بشروطه وهو الخراج الذي فجر كل مشاكل العنف في المجتمع العربي، رفض المسلمين للديمقراطية مع أنها أقرب إلى الرشد من كل ما عليه واقع المسلمين السياسي اليوم، تمكن العقل الخوارقي الأسطوري في حياتنا وانحسار العقل العلمي، ظن أن الأحكام لا تتغير بتغير الأزمان.
ويعتبر الدكتور خالص جلبي في مقال له تضمنه كتاب 'أيها المحلفون الله لا الملك' بأن هذه المجتمعات تستورد السيارة والمجالس النيابية ولكنها لا تستطيع إنتاج سيارة ولا إيجاد حياة نيابية، في قصة مترجمة يرويها أخرس مهمته الكلام.
ويسر ضفاف متوهجة، بعد نشرها موضوعين لهذا الكاتب المحترم، الأول بعنوان المتشددون: مجانين السنة والشيعة، والثاني بعنوان تساؤلات مواطن من الدرجة الخامسة، أن تنشر اليوم الفصل الأول من كتاب مخطط الانحدار وإعادة البناء الذي يحمل عنوان 'قصة زائر سماوي'، الذي شرح فيه الكاتب الطبيب الجراح، الجسد الإسلامي المريض بأمراض شتى مزمنة وعضالة عن الشفاء، عبر جرد تاريخي للأحداث والوقائع، معلقا في نفس الوقت عن الأسباب التي سارعت باندحار العالم الإسلامي، والنتائج المترتبة عن ذلك من تخلف عن ركب الحضارة المعاصرة، واحتلاله حاليا المراتب الذيلية بين الأمم الـمُقَلِّدَة التَّابعة الـمُنْصَاعة، من بعدما كان حينا من الدهر القاطرة والمثل الأعلى للعالم أجمع في شتى الميادين:
لو أُتِيحَ لزائر سماوي أن يمر على الأرض قبل ألف سنة (1) من غير أن يعرف أي لغة أو ثقافة أو دين، وَتَفَقَّدَ الأرض والناس والوقت والعمل، فسوف يتشكل في ذهنه انطباع واضح من جراء تكرار المناظر، أن هذا العالم ليس عالما واحدا بل عالمين، وأن هناك خطين واضحين يفصلان الناس في الكرة الأرضية، تماما مثل خطوط الطول والعرض وخط الاستواء ومدار الجدي والسرطان، ولكنهما ليسا خطين جغرافيين ولكنهما خطان حضاريان متميزان، أو لنقل محوران للشمال والجنوب: يمتد الخط أو المحور الأول على طول طنجة _ جاكرتا، ويربط الثاني بين موسكو ولندن. المحور الأول ( طنجة ـ جاكرتا ) يملك الثروة والعلم والقوة العسكرية، ناشط اقتصاديا، تمر عبر أراضيه خطوط التجارة الدولية، وتزدحم أسواقه بالبضائع والناس والمال معا، في أعظم دينامية اقتصادية عرفتها أسواق المال، وتزدان بيوته بكتب العلم والثقافة العالمية والترجمات المنوعة، ومجالسه بالبحث العلمي والمناظرات على الطريقة التي سجلها لنا مثقف ذلك العصر أبو حيان التوحيدي، في كتابه ( الإمتاع والمؤانسة )، ومدارسه التي تقيس محيط الكرة الأرضية، وتخطط لانتقاء أفضل مكان لبناء بيمارستان ( مستشفى ) بتجربة صمود اللحم للفساد (2) وتمتلك دوله الجيوش النظامية المتطورة، ويتحرك في مدنه بشر فعالون بوجوه تفيض بالجمال والحيوية، يرتدون الملابس النظيفة الجميلة، وفي مدينة مثل بغداد يعالج فيها أكثر من 800 طبيب في عشرات البيمارستانات عشرات الآلاف من الناس، الذين ينعمون بالرفاهية ويرتادون الحمامات العامة بشكل دوري، ويعنون بالنظافة والجمال، وتشع منهم الزينة ويتبارون في التأنق في المأكل والملبس، ويقضون الكثير من الوقت في مجالس العلم والرحلات، كما خلدها الأدب العربي في قصص السندباد البحري، ومجالس الظرف والفكاهة، وعجائب الأسفار وغرائب الحوادث، في قصص ألف ليلة وليلة، وكتاب (الأغاني) لأبي فرج الأصفهاني.
كتاب الثقافة العالمية وسطور الحضارة كانت تكتب في ذلك الوقت بخط ولغة من اليمين إلى الشمال (3).......... وفي المحور الثاني على خط لندن_موسكو يعيش أكثر شعوب العالم فقرا وتخلفا، ينتشر فيهم الطاعون فيحصد ثلث السكان على الأقل، في المدن القذرة التي لا تعرف نظام التصريف الصحي والحمامات بعد، يُطَارِدُونَ الساحرات والقطط، ويعالجون السعال الديكي بلبن الحمير، ويشترون تذاكر لدخول الجنة، ويحرقون العلماء والكتب معا في الساحات العامة، بتهمة الهرطقة والزندقة، وتزدحم مدنهم بالشحاذين على الطريقة التي وصفها الروائي الفرنسي (فيكتور هوجو) في قصته العالمية المشهورة (أحدب نوتردام) (4) ويُعَالـَجُ المريض النفسي بالسلاسل والضرب بالكرباج لاستخراج الأرواح الشريرة من جمجمته، ويُنْسَبُ انتشار الأمراض إلى البروج والكواكب أو اليهود! فتخرج الناس على شكل طوابير تطوف البر تضرب نفسها بالسوط لدفع المرض، أو تحرق اليهود والساحرات والقطط معا في الساحات العامة، وتتحرك من وسطه أفواج من الحجاج الفقراء لزيارة القدس، أو عصابات صليبية مفلسة يقودها رجال أميون من طراز ريتشارد قلب الأسد، ويضحك البابا لاكتانتيوس أشد الضحك على الذين يزعمون أن الأرض كروية فيقول: هل جن الناس إلى هذا الحد فيدخل في عقولهم أن البلدان والأشجار والناس تتدلى من الطرف الآخر ؟! ! (5) في صورة حضارية (كاريكاتورية) تعجز عنها ريشة أعظم فنان !! وبعد ألف سنة بالضبط يُصَابُ الزائر السماوي بالدوار وجحوظ العينين، ويبدأ ليمشي على رأسه حتى يفهم قراءة الخطوط من جديد ؟!...........إن الشمال تحرك إلى الجنوب، وتزحزح الجنوب فاستقر في الشمال في معادلة معكوسة جدا.. محور طنجة جاكرتا يزدحم بشعوب فقيرة هزيلة عاجزة عن حل مشاكلها، يشكل العالم الإسلامي فيها وزنا كبيرا، قد خسرت الرهان العالمي، وطُوِّقَتْ بحضارة رأسمالية غربية، ذات إدارة موحدة، تـُحْكِمُ قبضتها على الكرة الأرضية كلها، للمرة الأولى في تاريخ الجنس البشري، مسلحة بالصواريخ النووية ومصارف المال ومراكز البحث العلمي.... وانقلب خط الشمال ليمتد هذه المرة فيملك أربع قارات جديدة، ويضع يده على ممرات الملاحة البحرية ومعها الثروة العالمية ويمتلك الجيوش النظامية المتطورة التي فاجأت فرسان المماليك عند سفح الأهرام مع نهاية القرن الثامن عشر ومعها الأسلحة المتطورة من البنادق والمدفعية، بالإضافة إلى التقنية الحربية الرفيعة.
الغرب اليوم يملك ثلاثة أخماس الكرة الأرضية وأربعة أنهار من كل خمسة أنهار هامة في الجغرافيا، وخمسة فدادين من كل سبعة فدادين صالحة للزراعة، ويملك ثمانية قروش من كل تسعة قروش ونصف في العالم (6) وتنام في مانهاتن في نيويورك، أعظم خزينة ذهب في تاريخ الجنس البشري لم يحلم بها الفرعون خوفو، ولم يملكها قارون بذاته، وانتشرت لغة ريتشارد قلب الأسد لتصبح اللغة العالمية، وبُنِيَ لأحفاده بيت على ظهر القمر، كُتِبَتِ الحضارة هذه المرة من الشمال إلى اليمين.
 مجلة الشبيجل الألمانية تمثل لهذا الانقلاب العالمي بعنوان ( عالم منكوس (VERKEHRTE WELT_ وتمثل لهذا بكمية الاستهلاك العالمية للطاقة، حيث تحتل أمريكا الشمالية رأس القمة ؛ فتستهلك ثلث ما يستهلكه جميع البشر على وجه الكرة الأرضية (822120 مليون طن) وتأتي أوربا في المقام الثاني ب (216850 مليون طن ) وتأتي دول أوربا الشرقية في المقام الثالث ب (114070 مليون طن) وتنكمش قارة أفريقيا كلها في هذه الخريطة إلى ما يعادل استهلاك أسبانيا، وعندما نفخت الصورة أمريكا، أو بالعكس انكمش حجم الدول إلى مقدار استهلاك الطاقة، فإن صورة العالم تحولت إلى كائنات عملاقة يسكنها الرجل الأبيض، وتحولنا نحن إلى كائنات قزمة وذيول تابعة لكائنات خرافية ديناصورية تتمدد على خط الشمال (7) المحور الذي سماه سابقا المفكر الجزائري مالك بن نبي (واشنطن _ موسكو).
 والسؤال كيف حدث هذا الانقلاب الصاعق ومتى ؟
في عام (1099 م) قبل أن يختم القرن الحادي عشر بعام واحد بالضبط، كانت مدينة القدس تعيش أزمة مروعة لسكانها المحاصرين الجياع، فالعصابات الصليبية المفلسة كانت تجتاح منطقة آسيا الصغرى والشرق الأوسط مثل الجراد المدمر، وتذبح سبعين ألفا من سكان القدس في الشوارع، وينشغل العالم الإسلامي في حرب (كماشة) تجتاحه من الشرق والغرب بوقت متقارب، ذراع الكماشة القادم من الشرق كان الإعصار المغولي، وذراع الكماشة الغربي كانت أوربا الفقيرة القذرة، فأما الإعصار المغولي فتم امتصاص زخم اندفاعه، وتحويله إلى رصيد إسلامي، وأما ذراع الكماشة الغربي فقد قام بحرب لم يعرف لها الجنس البشري حتى الآن نظيرا، ولعله لن يعرف في المستقبل حربا تدوم مائتي عام باثنتي عشرة حملة عسكرية يقودها ملوك أوربا الأميون.
وعندما كان الملك الفرنسي لويس العاشر يفدي نفسه من الأسر الذي سقط فيه في المنصورة، كان السلطان صلاح الدين الأيوبي يظن أنه أنهى الغارة الصليبية على العالم الإسلامي، ولم يعرف أنها قد بدأت فعلا في ذلك الوقت، ولكن من زاوية لا تخطر على بال أحد، ولا توحي مظاهرها بذلك.
سقوط مدينة طليطلة كمؤشر لانكسار الميزان التاريخي:
إن انكسار الميزان التاريخي بين الشرق والغرب بدأ في الواقع قبل مذبحة القدس بأربعة عشر عاما (1085 للميلاد) عندما سقطت العاصمة التقليدية لشبه الجزيرة الأيبيرية (طليطلة _ توليدو حاليا  (TOLIDO_بيد الفونسو السادس بعد حصار دام سبع سنوات (8)، وعندما ارتعب ملوك الطوائف وارتجفت مفاصلهم فرقا على عروشهم البئيسة أمام الزحف الأسباني القادم، هرعوا باتجاه المغرب إلى الدولة القوية المرابطية جديدة الولادة، فاستنجدوا بملك المرابطين (يوسف بن تاشفين) ليقول المعتمد بن عباد حاكم إشبيلية يومها، وهو يرى الخيار الصعب في زوال دولهم بين مطرقة الأسبان وسنديان المرابطين: إن لم يكن بد من التحول إلى طبقة الخدم والعبيد وفقدان الملك، فأن أرعى جمال المرابطين أحب إلي من رعي خنازير الأسبان.
كان المعتمد بن عباد شريفا على كل حال في اتخاذ مثل هذا القرار المصيري التاريخي، وبقي قبره في (أغمات) خارج مراكش، يروي حسرات الأسير وشعره الباكي.. مات (المعتمد) قهرا وغما في الأصفاد بعد موت حبيبته وأم أولاده (اعتماد) التي شاركته المحنة، فبكاها بحرارة روَّى فيها تربتها بالشعر المبلل بالدموع، ودُفِنَ بجانبها، فقبرهما المشترك الذي نزلا فيه ضيفين على الأبدية يروي قصة الشعر والحب والحرب.
معركة (الزلاقة) وأثرها في مصير الجزيرة عام 479 هـ _ 1086م:
في عام (1085 م) سقطت (طليطلة) وفي عام (1086 م) كان سيف العجوز يوسف بن تاشفين ذو الثمانين عاما، ينزل كالصاعقة على رؤوس الأسبان فيحطم تجمعهم في معركة (الزلاقة) ولكن ابن تاشفين يدرك فورا بعد دخوله الجزيرة أنه لن يستطيع إيقاف مسلسل الأحداث، وأن المسلمين خسروا زمام المبادرة التاريخية، فالجسم الإسلامي مريض، وطليطلة لا أمل في استعادتها، وأبناء الجزيرة الأندلسيين تحولوا إلى أيتام في مأدبة اللئام، وكان المرض الأموي القديم قد فعل فعله وآتى أكله أيضا في الجزيرة، منذ أن نجح في إيقاف المسيرة الراشدية في العالم الإسلامي، وتحويل الدولة الإسلامية إلى إمبراطورية بيزنطية، فاستوى المرض وبدأ الجسم الإسلامي في الترنح والسقوط، بفعل انهيار جهاز المناعة الداخلي قبل الهجوم الأسباني بفترة طويلة.
 معركة (الزلاقة) في عام 479 هـ الموافق 1086م التي دارت رحاها على حدود دولة البرتغال الحالية، حجمت الامتداد الأسباني ومسحت دول الطوائف الهزيلة التي عاشت لجيلين لمدة ثمانين عاما (399هـ/479 هـ) في ضربة واحدة، وفرملت السقوط النهائي للأندلس لمدة أربعة قرون لاحقة، حتى جاء موعد كسوفها مع كريستوف كولمبس عام 1492م.
بعد سقوط طليطلة صمدت الجزيرة حتى مرحلة وفاة الفيلسوف (ابن رشد) الذي مات عام 1198م للميلاد بعد أن كافأه أهل مدينته بالطرد مرتين، مرة من المسجد هو وابنه وكانت من أحزن ما لاقاه، ومرة بنفيه إلى قرية (الليسانة ) اليهودية، ليقضي فيها بقية عمره وهو في السبعين من العمر، وعندما نضب العقل الإسلامي الجماعي إلى هذا القدر الحزين، جاءهم الطوفان الأسباني هذه المرة، ليمسح وبعد موت الفيلسوف بجيل واحد فقط (1238م) مدينة قرطبة بالكامل، وليطرد أهل قرطبة كلهم من المسجد، ويُدْخِلَ في مسجدها الجامع بشكل محشور عجيب، مثل الشوكة في اللحم، كنيسة مصطنعة لا يصلي فيها أحد.
كل من يمر اليوم في قرطبة يبكي عند المحراب الذي لا يصلي فيه أحد، والكنيسة الخرساء التي يحدق فيها السواح الأوربيون بنظرة بلهاء بدون معنى، ويتأمل العربي المسلم وجوه أهل قرطبة فيتذكر أهل دمشق، هذه المرة لا يسمع اللغة العربية ولا الأذان ويتعجب من اختفاء أمة كاملة من خريطة الوجود.
نقطة التحول التاريخية (منتصف القرن الثالث عشر الميلادي)
إن منتصف القرن الثالث عشر للميلاد يسجل كارثتين غير معقولتين للعالم الإسلامي ودفعة واحدة وبفاصل عشر سنوات، ففي عام 1248 م يسقط الجناح الغربي للعالم الإسلامي (إشبيلية) وفي عام 1258م يسقط الجناح الشرقي، بسقوط لؤلؤة الشرق بغداد بيد الحصادة المغولية القادمة من الشرق، ويخرج خليفة أعزل سمين حاسر الرأس لمقابلة جزار دموي من طراز (هولاكو) يناشده الحفاظ على 700 من الجواري اللواتي لا يعرفن ضوء الشمس.
وكما جلس العباسيون على جثث الأمويين النازفة المغطاة بالسجاد، يأكلون عشاء فاخرا، ويشنفون آذانهم بسماع ألحان حشرجة أنات الموتى الأخيرة، فإن حياة آخر خليفة عباسي كانت في كيس (جوال خيش) يقضي نحبه على نغم طبل مختلف، بالخنق والرفس بالأقدام، ويُساق الوزراء وأعضاء الأسرة الحاكمة والأعيان والفقهاء إلى مقبرة المنظرة فيذبحون كالشياه، وتنعي بغداد يومها حوالي ثمانمائة ألف قتيل، وتتحول أكوام الكتب إلى جسر يصلح لمرور الجندي التتري على نهر دجلة، إن التدمير المغولي خاصة لشبكة الري في جنوب العراق، والذي قامت عليه حضارة سومر، لم يُصْلَحْ حتى يومنا الحالي.
النتيجة البعيدة وغير المباشرة لسقوط العاصمة البيزنطية:
في القرن الخامس عشر للميلاد سقطت بيزنطة وغرناطة بفاصل نصف قرن (1453م _ 1492م) ويبدو وكأن سقوط الحاضرتين كانتا لوحتان متعاكستان لوقائع متناقضة، فالقسطنطينية سقطت بيد الأتراك المسلمين، القوة الناهضة الجديدة، وغرناطة بيد الأسبان، رأس الحضارة الغربية المستيقظة، ولكن التحليل الأعمق يفضي إلى تكامل الصورتين، والتحام السبب والمسبب؛ فسقوط العاصمة البيزنطية جاء جوابه في سقوط غرناطة، والاستجابة للضغط الجديد، عندما قطعت طرق الشرق الأوسط إلى الهند في وجه أوربا، فاستندت أوربا بكل ثقلها وظهرها إلى المحيط (بحر الظلمات) ومن هذا الضيق جاء الفرج غير متوقع.
المحيط الأطلنطي (بحر الظلمات) وسواه من المحيطات كانت مناطق تفصل السكان والحضارات، فحضارات أمريكا لم تتصل ببقية حضارات العالم ونمت لوحدها بطريقتها الخاصة، ولكن مع تطوير السفن العابرة للمحيطات على يد الملاحين العرب، تحولت هذه المحيطات إلى جسور اتصال، ويمكن تشبيه السفن الجديدة عابرة المحيطات، ما يشبه سفن الفضاء الحالية، بكل إنجازاتها التكنولوجية الرائدة.
البحر المتوسط بحر مغلق لا يشابه بحر الظلمات (المحيط الأطلنطي) فسفن المحيط يجب أن تزود بتقنية ملاحية جديدة وآلات قياس ومعرفة متقدمة من خلال خرائط لاتجاهات الرياح وتيارات البحر، ومعرفة بأمراض البحر الناجمة عن السفر الطويل لأشهر متواصلة (مثل دراسة تكيف الإنسان اليوم للبقاء فترة طويلة في القمرات الفضائية) وتزويدها بالمدافع والأسلحة الكافية والمناسبة لمقاومة انقضاض القراصنة، وخزانات المياه الكافية، وأطعمة تحفظ لفترة طويلة ( تم اكتشاف الفيتامينات ومعرفة مرض الإسقربوط بنقص الفيتامين سي_(C في الجسم بعدم تناول الخضراوات والفواكه الطازجة لفترة طويلة، وبواسطة سفينة المحيط العربية والحصان العربي، تم اقتحام قارات العالم الجديد، وضُمَّ إلى ممتلكات أوربا أربع قارات جديدة بمساحة تزيد مرتين عن مساحة سطح القمر، وآلاف الجزر الغنية في المحيطات اللامتناهية، لقد كانت الهجرة والاستكشاف للغربيين الفقراء مفيدة حقا.
وعندما تقدم الاستعماري الأسباني المدعو (هيرناندو كورتس) لإبادة حضارة الأزتيك وخنق مليكهم واستباحة عاصمتهم الجميلة فوق بحيرة غناء، كان السلاح الحاسم الذي ظهر إلى الساحة الذي أربك الهنود الحمر وأثار فزعهم، هو الحصان العربي ولكن التاريخ يسجل ظهور الحصان العربي بدون فارسه.
كان الأسبان يدفنون الحصان الميت سرا حتى لا يتبادر إلى ذهن الهنود إمكانية موت هذا الكائن، وظهر الفارس الأسباني مثل أسطورة نيسوس اليونانية، ذلك الكائن الخرافي الجبار، قطعة واحدة بجسم حصان ورأس إنسان، كما حصل مع الهكسوس في منتصف الألف الثانية قبل الميلاد، حينما اجتاحوا الحضارة الفرعونية العريقة بالحصان المدجن، ولم يتخلص المصريون من حكم الهكسوس إلا بعد مائتي عام مريرة وبنفس سلاح الحصان، دبابة العصر القديم.
عندما تقدم الزحف الأسباني بعد سقوط طليطلة إلى الجنوب كان هم الأسبان ومن بعدهم الإنجليز، وضع اليد على المضائق فهي شرايين الحضارات القديمة، ومفاتيح التحكم، ومصادر الثروة والقوة.
في القرن السادس عشر تحول البحر المتوسط إلى بحيرة عثمانية، على الرغم من هزيمة الأتراك البحرية في معركة ليبانتو 1571 م، وبرز قواد بحريون أتراك مشهورون من أمثال خير الدين برباروسا وتورغود، ينزلون الرعب في مفاصل وقلوب الأوربيين فترتبط أسماؤهم في الذاكرة الجماعية الغربية بالقرصنة (9) لكن الأسبان والبرتغاليين شقوا طريقهم إلى عنق البحر المتوسط عند رأس جبل طارق ثم قفزوا إلى الشاطئ المغربي، فاستولوا على سبته ومليلة ومازالوا، وبذلك أحكمت المدفعية الأسبانية قبضتها على المضيق، فحبست العالم العربي عمليا في زنزانة البحر المتوسط، وقطعت الطريق على أية انطلاقة عربية إلى بحر الظلمات، وعندما اكتشف العالم الجديد وحصل النزاع البرتغالي الأسباني، حله البابا (حبيا) فقسم العالم بينهما إلى نصفين بالتساوي بكل بساطة، وخسرنا المحيط وإلى الأبد على ما يبدو. خسارة المحيط وآثاره المأساوية وبداية انطلاقة الغرب قبل خمسة قرون:
على الرغم من وجود السفينة العربية العابرة للمحيطات، وعلى الرغم من إمكانية الوصول للقارات الجديدة التي وصل إلى بعضها التجار العرب المسلمون كما في إندونيسيا ومالقا واليابان، فإن التوجه للعالم الجديد فات الحضارة العربية، وبه دشن عصر جديد حقا.
إن اختراق المحيط على يد المغامرين المستكشفين أولا، ثم جموع الفلاحين الأوربيين الفقراء لاحقا، كان استجابة للضغط العثماني في الشرق، بمحاولة الهرب باتجاه الغرب، تحت إغراء رائحة التوابل العطرة، تمولهم الشركات الاستعمارية بالمال والسلاح لتفريغ الأرض من سكانها الأصليين واستبدالها بالعرق المتفوق الجديد، على الرغم من وجود مكان كاف للغازي والمغزو، ولكن سيطرة روح التطهير العرقي كانت أقوى جاذبية.
كان هذا التوجه بركة عليهم، لأن العالم القديم المكون من ثلاث قارات قفز مرة واحدة إلى سبعة، منها أربع قارات جديدة أضيفت إلى ملك ريتشارد قلب الأسد وأحفاده، في الأمريكيتين وأوستراليا ونيوزلندا والقطب الجنوبي، ومع تدفق الذهب من المكسيك وفلوريدا، والفضة من البيرو، وفي مدى قرن واحد، تدفقت دماء ثمانين مليون من السكان المحليين، وتم تفريغ مائة مليون من سكان أفريقيا، لزرعهم كآلات عضلية في مزارع العالم الجديد لرفاهية الرجل الأبيض، في أعظم مذبحة عرفها الجنس البشري، لم يكشف عنها النقاب إلا منذ فترة قريبة كما في فيلم (يرقص مع الذئاب ) (10) وكتاب (فتح أمريكا _ مسألة الآخر) لأستاذ السوربون (تزفيتان تودوروف) (11).
كانت الموجة الأولى لاقتحام المحيط لاتينية (برتغال وأسبان) لم تلبث أن أعقبتها الموجة الجرمانية (الأنجلوساكسون) من الإنجليز والألمان، بفعل القصور الذاتي والتعصب الديني وعدم تطوير النظام البرلماني في البيئة اللاتينية، باستثناء فرنسا التي عوضت تأخرها مع انفجار الثورة الفرنسية وانفجار الحرية الفكرية ومنظومة القيم الجديدة معها، التي نحت الكنيسة والإقطاع في ضربة واحدة موفقة، وشقت الطبقة الوسطى البورجوازية الطريق إلى الديموقراطية الجديدة بين توازن رأس المال وطبقة العمال، أما الصنف الأوربي الثالث (السلاف) فقد بقوا بعيدا عن غارة المحيط فدفعوا ثمن تأخرهم، كما نرى في الصرب الحاليين الذين يذكروننا بعقلية صليبيي القرون الوسطى.
استطاعت الثقافة الجرمانية وخاصة الإنجليز من تطوير نظامها الإداري، وقفزت إلى سطح العالم كقوة عالمية مسيطرة، وكان القرن التاسع عشر لها، كما كان القرن العشرين لابنها البكر أمريكا، وسيبقون إلى فترة طويلة على ما يبدو مشاركين في هندسة مصير الجنس البشري، ومع تدفق خيرات القارات الجديدة وذهبها، تحول الفقراء الأوربيون الحجاج إلى بيت المقدس؛ فجأة من أمم فقيرة هزيلة عاجزة عن حل مشاكلها، إلى أمم قيادية من نوع مختلف، فمع نمو الطبقة الوسطى، وبداية انفجار الثورة الصناعية، أمكن في ظل البرلمان البريطاني، أن يتم وضع نموذج جديد للإدارة، حيث شكل التوازن الجديد بين طبقة أصحاب الثروة والقوة العمالية، نموذج الديموقراطية الرأسمالية الجديدة التي تملك مقادير الجنس البشري في الوقت الراهن، وعندما هرب فرسان المماليك أمام مدفعية نابليون كانت الهزيمة في الواقع بين عالمين مختلفين، فالعالم الإسلامي استيقظ على الصفعة الاستعمارية هذه المرة، وأحس بقشعريرة البرد؛ شعور الغنم في الليلة المطيرة؛ أن العالم الجديد قد تغير، وأن الزمان قد دارت دورته، وأن أساطير ألف ليلة وليلة قد انتهت، وأن شهريار قد أدركها الصباح، وأن أحلام الماضي قد انقشعت، كما يستيقظ المصاب في حادث السيارة وهو في العناية المشددة بعد أن تعرض لكسور رهيبة ونزف خطير، فهو يصرخ من آلامه، ولكنها آلام المخاض للخروج من رحم الأحلام الدافئة في قصص ألف ليلة وليلة والسندباد البحري، إلى العالم الجديد الذي لم يشارك في صناعته.
نحن مازلنا نعاني من مشكلة فهم تعقيدات هذا العالم الجديد المسحور، ومعاناة ضريبة التكيف معه، لأنه عالم لم تصنعه يدانا، فنحن أمام سحر جديد لم نقدر على فك طلسمه بعد، والتعامل مع ملك الجان.
هوامش ومراجع:
(1) تنسب فكرة الزائر السماوي في أصلها إلى المفكر الجزائري مالك بن نبي حيث وضع مصطلح (محور طنجة _ جاكرتا) ومحور (واشنطن_موسكو) وتكرر هذا المصطلح على شكل (ثابت) ضمن مفاهيمه في سلسلة مشكلات الحضارة التي بلغت حوالي عشرين كتابا.
 (2) عندما أرادوا بناء البيمارستان في أحد ضواحي بغداد عمد أطباء ذلك الوقت إلى تعليق أربع قطع لحم في الاتجاهات الأربعة، وانتظروا آخرها فسادا، وفي ذلك المكان تم بناء المستشفى، نحن اليوم لا نعرف بناء بيوت صحية عازلة حتى مثل الحس الفطري عند أجدادنا عندما بنوها من الطين، فبيوتنا لا تعرف الاتجاه (القبلي) وهي باردة في الشتاء حارة في الصيف، وعندما نعجز عن دفع فواتير المكيفات سوف تهرب من سكناها حتى ثعابين الصحراء !!.
(3) ذكر ذلك ابن بطوطة في رحلاته عندما تفاهم وباللغة العربية مع شعوب الأرض المتحضرة في ذلك الوقت من طنجة حتى الصين واعتمدت شهادته كقاضي (شهادة حقوق عالمية معترف بها) فاشتغل بها براتب مجز لعدة سنوات في الهند.
(4) تم تمثيل القصة بفيلم حيث رأينا مدينة كاملة للشحاذين في باريس.
(5) كتاب الصادق النيهوم (محنة ثقافة مزورة) خسرنا المحيط نشر مؤسسة الناقد (THOUGHTS OF ISLAM) ص 43.
(6) الناقد (DILEMMA OF DISTORTED CULTURE) ص 9.
(7) نقلا عن طاقة العالم قسم الإحصاء لعام 1991 م مجلة الشبيجل.
(8) يُراجع في هذا كتاب محمد عبد الله عنان الموسوعي حول التاريخ الأندلسي.
(9) كتاب سليمان القانوني تأليف هارولد لامب ترجمة شكري محمود نديم ص 180.
(10) فيلم يرقص مع الذئاب (DANCING WITH WOLFES) تم عرض مأساة فناء الهنود الحمر من الجانب الهندي _ ربما للمرة الأولى _ في تاريخ هوليود بعد أن اعتدنا مشاهدة الهنود الحمر الوحوش الذين يصرخون ويذبحون الأمريكيين المتمدنين بالبلطات !!.
(11) ترجمة بشير السباعي دار سينا للنشر وهو كتاب عرض فيه المؤلف مأساة إبادة سكان الحضارات القديمة وبقيت أنا شخصيا مصدوما لعدة أيام عند قراءته، ولي عودة إليه في مقالة لاحقة بالتفصيل وتعرضت له مجلة الشبيجل الألمانية عند نشر سلسلة فتح أمريكا بعرض جديد وبدون مركزية أوروبية. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق