عندما تسود الخيانة

ذَهَبَ الوَفَاءُ ذَهَابَ أَمْسِ الذَّاهِبِ     وَالنَّاسُ بَيْنَ مُـــــــــخَاتـِـــــــلٍ وَمُـــــــــــــوَارِبِ
يُفْشُونَ بَيْنَهُمْ الـمَوَدَّةَ وَالــــــــــــــــــصَّفَا      وَقُلُوبُـهُــــــمْ مَـحْشُــــــوَّة ٌ بِعـَـــــــــقَــــــارِبِ
                                                                                                            علي بن أبي طالب (رض)
لاَ تَرْكَنَنَّ إِلَى مَنْ لاَ وَفَاءَ لَهُ     الذِّئْبُ مِنْ طَبْعِهِ إِنْ يَقْتَدِرْ يَثِبِ
                                                      علي بن مقرَّب
ابْتُلِيَ صالح بزوجة سوء تخونه وهو لا يدري من أمرها شيئا، وكانت زيادة على ذلك تستنزف جيبه وتستحقره، ولما ضاق صالح بكثرة استنزافه واستحقاره طلع له الدم للرأس وقلب على زوجته الطاولة وخاطبها قائلا:"إنني أحضر لك الشيء الكثير من الطعام غير أنك لا تقدمين لي إلا القليل"، وكما هي عادتها شهقت وولولت وضربت على فخذيها وصاحت وانفجرت في وجهه قائلة: "يا لك من ظالم، حرام عليك أن تتهمني بالسرقة، فإن كنت تعتقد ذلك فأثبته وآت بشهود".
وفي اليوم التالي خرج صالح باكرا وذهب إلى السوق، واشترى زوجا من الدجاج وملأ قفته بالفواكه والخضراوات، ثم صد عائدا إلى المنزل من بعدما استأجر جماعة من الزمارين والطبالين لمرافقته حتى المنزل، فسأل الجيران الزوجة: "هل عندكم عرس؟"، فلما أجابتهم بالنفي، أخبروها أن زوجها قادم في موكب يضج بالتزمير والتطبيل، فسكتت المرأة ولم تجب، وأدركت أن زوجها نفذ طلبها لإحراجها، لهذا أحضر الطعام ومعه شهود ليثبت سرقتها وجشعها.
ولما دخل صالح الدار توجه إلى زوجته بالكلام: "ها هم الناس يشهدون، وها هو الطعام والفواكه والخضراوات، وها هي ذي دجاجتان كبيرتان لا واحدة"، فسكتت المرأة على مضض وضمرت شيئا.
وحين عاد صالح من عمله ليلا طلب من زوجته تحضير العشاء، فقالت له: "لا والله، ما دمت قد أحضرت الطعام بشهود فلا بد أن تأكله ومعك شهود"، فضحك ولم يعبأ بكلامها، غير أنها أصرت وقالت:"لا بد من اثنين يشهدان أنك أكلت، أي اثنين من أصدقاءك"، فخرج الرجل مضطرا يبحث عن أصدقاء غير أنه لم يجد إلا واحدا جالسا بإحدى المقاهي، فعرض عليه أن يرافقه إلى داره لتناول وجبة العشاء معه، فقبل صاحبه على مضض بالرغم من أن الدعوة جاءت متأخرة، وما إن رأت الزوجة صالح وقد عاد ومعه  صديق واحد حتى خاطبته قائلة:" لا.... واحد لا يكفي أبدا، لقد أقسمت بالله بأن لا أعطيك الطعام حتى تحضر صديقا ثانيا، فليبق هذا الرجل هنا واذهب أنت لإحضار صديق ثان".
وما إن خرج صالح للبحث عن صديق ثان، حتى أيقظت المرأة طفلها الصغير وأشبعته ضربا، فبدأ الطفل يبكي ويصرخ بشدة، فأثار الموقف شفقة الضيف الذي أنَّبَ المرأة قائلا:" لا يصح لك أن تضربي الطفل الصغير بقسوة وتجعليه يبكي ويصرخ بهذا الشكل، حرام عليك"، فتظاهرت المرأة بالحزن والضيق وأجابت:"لعنة الله على هذا الولد وعلى أبيه الذي عوده عادة سيئة، فزوجي يخرج في الليل ويخدع صديقا بتناول العشاء معه، وحين يحضره إلى الدار، يهجم عليه ويقطع خصيتيه بالسكين ويعطيهما للولد، فيأكلهما هذا الوحش الصغير الذي سوف يصير مثل أبيه حين يكبر".
فما إن سمع الضيف كلام المرأة حتى سرت في جسمه قشعريرة وبدأت فرائصه ترتعد من شدة الخوف، فناشد المرأة أن تساعده لينجو بجلده، فلما سمعت الزوجة وقع خطوات صالح الذي عاد وحيدا تقترب من المنزل، أمرت الضيف أن يختبأ خلف الباب، وبمجرد أن يفتح زوجها الباب ويدخل عليه أن يطلق سيقانه للريح وأن لا يلتفت أو يعود مرة أخرى.
فما إن فتح صالح باب المنزل  ودخل حتى انطلق الضيف من مخبئه كالسهم يجري لا يلوي على شيء سوى النجاة بحياته، فقالت الزوجة لصالح: "أيها الأحمق تحضر إلى بيتي اللصوص، ها هو صديقك قد سرق الدجاجتين وفر بهما"، فرد صالح: "الدجاجتان...هذا غير معقول"، ثم جرى صالح هو الآخر من خلف الضيف ليلحق به، غير أن الضيف الذي تذكر المصير الرهيب الذي ينتظره إن أمسك به صالح زادت سرعته وأصبح يجري أسرع من الغزال، فنادى صالح: "أسي أحمد..أسي أحمد أرجوك ولو واحدة"، وكان يقصد ولو دجاجة واحدة، فرد الضيف من مسافة بعيدة وقد تأكد أن صالح لن يلحق به: "إن أمسكت بي فخذهما معا"، وكان يقصد الخصيتين، فعاد صالح إلى المنزل منكسرا ولم تقدم له زوجته غير الخبز والخضر والكثير من التأنيب بسبب أصدقاءه اللصوص كما ادعت.
وفي اليوم التالي خرج صالح إلى عمله، فأرسلت الزوجة إلى أحد عشاقها كي يزورها، فجاء مهرولا فلمحه أحد أصدقاء الزوج وهو داخل إلى الدار، فذهب إلى صالح وهمس في أذنه بالخبر وانصرف، فصد صالح عائدا إلى الدار، فوجد الباب مغلقا فطرق بشدة، فأدركت الزوجة أن صالحا اشتم خيانتها، فأسرعت بإخفاء عشيقها في البئر، وتظاهرت بأنها كانت نائمة، ثم فتحت الباب وهي تحك عينيها، فدخل صالح ثائرا وهو يصيح: "أين الرجل؟..أين عشيقك أيتها الكافرة؟"، فصرخت المرأة كالمعتاد وولولت وضربت فخذيها وبكت وتعالى صراخها وهي تقول: "لقد تحملت منك كل مصيبة، إلا هذه، والله لأذهبن إلى القاضي وأشكو له حمقك".
وما إن سمع الجيران الصراخ، حتى هرولوا جميعهم يستطلعون الأمر، فاغتنمت المرأة الفرصة وأخذت تصيح وتطالب من الجيران أن يبحثوا في الدار لأن زوجها المجنون الأحمق يدعي بأنها تخفي عشيقا، وبحث الجيران في جميع أركان المنزل ولم يعثروا على أحد، وحاولوا أن يصلحوا بين صالح وزوجته، غير أن الزوجة صعدت الجبل وتظاهرت بالخوف وقالت:  "والله لم أعد أقدر على عشرته فقد صرت أخاف منه، وكيف أثق فيه الآن؟، إنه أصبح مجنونا، من يدريني فقد يذبحني في الليل ما دام يعتقد أنني أخونه"، وطلبت من الجيران أن يضعوه في المطمورة لتضمن سلامتها حتى الصباح كي تذهب عند القاضي"، ووجد الجيران في ذلك حلا معقولا، فوضعوا صالح في المطمورة وأحكموا الأقفال ثم انصرفوا، وبعد تأكد الزوجة من انصراف الجميع أخرجت عشيقها من البئر، وأخذا ينظران بسخرية إلى صالح من خلال فتحات تهوية المطمورة، فصرخ هذا الأخير مستنكرا، لكن الكل لم يأبه بذلك لأنهم اعتقدوا أن صالح قد جن وفقد عقله، فانصرف العشيق، ثم أحضرت الزوجة طاحونة وبدأت تُديرها بالقرب من المطمورة، فأحدثت ضجيجا هائلا، فظن صالح أنه الرعد، وأخذت تصب الماء وترشه عليه، فظن أنه المطر، وأخذت تضيء بين الفينة والأخرى بمصباح يدوي فوهة المطمورة، فظن أنه البرق، وباتت المرأة على هاته الحال طوال الليل، تُدير الرحى وترش الماء وتضيئ بالمصباح.
وفي الصباح حضر الجيران، وأخرجوا صالحا من المطمورة، فحاول أن يهجم على زوجته ليخنقها، فمنعه الجيران، فبدأ يصيح: "إنها عاهرة، لقد أخرجت عشيقها وسخرا مني بعد انصرافكم"، فاندهش الجيران وشهقت الزوجة وولولت وضربت على فخذيها وصاحت وانفجرت في وجهه قائلة: " إن زوجي لمجنون وأحمق، لقد فقد عقله تماما"، فصاح صالح: "والله لأقتلنك، ولن أنسى الليلة الماضية، لقد بت بسببك حبيسا في المطمورة طوال الليل بدون نوم، والمطر يتساقط والرعد يصم الآذان، والبرق يكاد يخطف الأبصار"، فقهقهت الزوجة وقالت متهكمة: "أرأيتم.. يقول كان معي رجل، وكان هناك مطر وبرق ورعد الليلة الماضية"، فرد صالح: "نعم كان معك رجل ورأيته"، فسأله الجيران وقد تأكدوا على ما يبدو من جنونه: "وهل سمعت الرعد ورأيت البرق وأحسست بالمطر"؟"، فرد صالح: "نعم لقد كان المطر مستمرا طوال الليل مع الرعد والبرق".
فصرخت الزوجة: "يا لمصيبتي لقد جن زوجي !!، اشهدوا أيها الناس"، وشهد الجميع بما رأت أعينهم وبما سمعت آذانهم، وأثبتوا جميعهم جنون صالح، فتم وضعه بمستشفى المجانين لما تبقى من حياته  بأمر من القاضي.
"الحق لا يصير حقا بكثرة معتقديه، ولا يستحيل باطلا بقلة منتحليه" ابن حزم الأندلسي
هوامش:
المطمورة: اسم مفعول من فعل طمر أي غطى الشيء وأخفاه، وهي مكان مهيء تحت الأرض كي تُحفظ فيه الحبوب والقطاني وغيرها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق