نصيحتي إلى نفسي: ابق قريبا من الأرض لكن لا تحن رأسك لأحد

يعود إنشاء أول ناطحة سحاب إلى القرن التاسع عشر، وقد تم تشييدها بين 1884 و1885 بمدينة شيكاغو، وأُطلِق عليها إسم مبنى بيت التأمين Home insurance building، ولم يكن علوها يتجاوز 42 مترا، وهو شيء جد عادي في تلك الحقبة، غير أن الشيء الذي ميز ناطحة السحاب هذه هو تفرد هيكلها عن باقي المباني لأول مرة في التاريخ، فعوض أن تكون الأثقال الحية والميتة للمبنى محمولة على جدران حاملة أضحت محمولة على هيكل  من الأعمدة والأحزمة الحديدية، إذ كان ثقل المباني قبل هذا التاريخ محمولا على جدران حاملة،  تنقل الأحمال الميتة والحية من الأسقف سواء كانت خشبية أو مرتكزة على كمرات إلى الحوائط التي تنقلها بدورها بالإضافة إلى وزنها الذاتي إلى الحوائط التي تحتها، وهكذا حتى تصل الأحمال إلى الأساس المستمر تحت الحوائط الذي يقوم بتوزيع الأحمال على طبقة تربة  الأساس.
وعلى هذ الهيكل المعدني من الأعمدة والأحزمة قام المهندس المعماري 'ويليام جيني'William Jenney بوضع أسقف الطبقات وتشييد جدران خفيفة فاصلة من اللبن، وبما أن هذه الجدران لم تعد تحمل أثقال البناية أصبح من الممكن إحداث نوافذ كبيرىة لإضاءة كل طبقة، وبذلك تم تقليص ثقل العمارة بنسبة الثلث، وأضحى من الممكن تشييد بنايات أكثر علوا دون خشية من غورها في الأرض.
واعتمادا على الهيكل المعدني بدأت المدن الأمريكية تتسابق فيما بينها لتشييد أعلى ناطحات السحاب، وابتداء من سنة 1890 ارتفع مبنى  نيويورك العالمي Empire state buildingبطبقاته العشرين إلى علو 94 م (أُزِيل سنة 1955)، وبحلول سنة 1909 تم الانتهاء من تشييد برج 'ميت لايف' 'Metropolitan life insurance company tower' بطوابقه الخمسين وبعلو 213 م ، وفي سنة 1930 تم تشييد ناطحة السحاب 'كرايسلر' بعلو بلغ 320، وبعد سنة من ذلك في 1931 تم افتتاح ناطحة السحاب 'إمباير ستيت' بنيويورك بطوابقه 102 وبارتفاع يصل إلى 381 م (بدون هوائي التلفاز)، وكان مجهزا ب 72 مصعدا، ولبلوغ هذا العلو الشاهق لجأ المهندس المعماري  الأمريكي 'وليام لامب' William Lamb إلى طريقة ذكية تكمن في تقليص حجم الأقفاص الحديدية التي تدعم المبنى كلما صعد نحو الأعلى مما يمكن من ثبات هذا الصرح، غير أن النواة الخرسانية الوسطى التي كانت تستعمل للمصاعد وتلعب دورا أساسيا في ثبات البناية كانت تستلهك تقريبا ثلث المساحة على الأرض، مما دفع بالمهندسين فيما بعد كما سنرى للبحث عن تقنيات جديدة تحد من هذا الضياع الكبير في المساحات المجهزة.
وابتداء من سنة 1931 لم يعد العلو هو الأهم، بل الحيز المجهز وراحة السكان، وبذلك توارى إلى الخلف طراز 'إمباير ستيت' ‘Empire state building ليحل محله طراز أكثر خفة وأجمل تصميما، حيث أدخل المهندس المعماري الألماني الشهير 'لودفيغ ميس فان دير روه' Ludwig Mies van der Rohe تعديلات جد مهمة عندما استبدل الجدران المبنية من اللبن بصفائح من الزجاج أكثر خفة وعمل على ربطها بإحكام بالهيكل المعدني للبناية، واستُخْدِمت هذه التقنية لأول مرة سنة 1958 بإنجاز ناطحة السحاب 'سيغرام' Seagramبنيويورك، التي بلغ ارتفاعها 157 م، التي كانت جميع واجهاتها الخارجية مكونة من الزجاج المتبث على أعمدة من البرونز، وتتميز هذه التقنية الجديدة بميزتين أساسيتين أولها تمكين الضوء من الانتشار في كل أرجاء المبنى مما يحقق اقتصادا مهما في الطاقة الكهربائية زيادة على جمالية المناظر من هذا العلو، ثانيها خفة المبنى لكون النوافذ الزجاجية أخف وزنا بكثير من الجدرا اللبنية، غير أن هذا التصميم الجديد يعتريه عيب كبير يكمن في عدم قدرته على التباث في وجه الرياح ابتداء من  الطابق  60 نظرا لخفة وزن المبنى، وكان من اللازم الانتظار حتى سنة 1970 لحل هذه الإشكالية عن طريق تقنية الأنبوب التي صممها المهندس البنغالي الأصل 'فزلور خان' Fazlur Khan، وتمكن هذه التقنية من تحمل وزن البناية وقوة الرياح، من خلال تصميم المبنى على شكل تسع بنايات منفصلة بأطوال متباينة ولكنها متلاصقة على شكل أنابيب مجتمعة  كحزمة من العصي، تتكون أقصر بناية من تسع وأربعين طابقا بينما يبلغ عدد طوابق أعلاها إلى مائة وعشر طوابق، وهذه الطريقة تزيد من مقاومة المبنى للرياح الشديدة التي تشتهر بها المنطقة في ولاية شيكاغو، حيث يتحمل كل مبنى جزءاً من الضغط الواقع على البرج، كما أن قوة المباني التسع مجتمعة يمكنها أن تقف في وجه أشد العواصف وأقواها، وبهذه التقنية تم الإنتهاء سنة 1974 بعد ثلاث سنوات من الأشغال من تشييد برج 'سيرز' 'tower Sears' الذي تم تغيير إسمه إلى برج 'ويليس' Willis towerسنة 2009 ، ويتكون البرج من 108 طابق بعلو يبلغ 442 م (بدون الهوائي)، وقد تم تجهيزه ب 104 من المصاعد.
صمد الرقم القياسي في الارتفاع لبرج  'ويليس' ‘’Willis tower لمدة 24 سنة حتى تم تحطيمه سنة 1998 بإنشاء برج 'بتروناس التوأم' ' Petronas towers  بكولالمبور بماليزيا، الذي بلغ ارتفاعه 452 م، وهو مكون من 88 طابقا ومجهز ب 78 من المصاعد، وبعد ست سنوات من ذلك أي سنة 2004 تم تحطيم الرقم القياسي لبرج 'بتروناس التوأم' ‘’Petronas towers عن طريق برج 'تايبيه 101 ' Taipei 101بتايوان، الذي بلغ ارتفاعه 508 م، وهو مكون من 101 من الطوابق ومجهز ب 61 من المصاعد، وبعد 6 سنوات تم تحطيم الرقم القياسي لبرج 'تايبيه 101' ‘’Taipei 101سنة 2010 بواسطة برج خليفة بدبي بالإمارات العربية المتحدة، وقد بلغ ارتفاعه 828 م،  وهو مكون من 163 طابق ومجهز ب 58 من المصاعد.
وفي تسابق على تحطيم الأرقام القياسية في تشييد الأبراج الشاهقة، من المنتظر افتتاح برج المملكة بجدة بالمملكة العربية السعودية سنة 2018، وهو البرج الذي سوف يحطم كل الأرقام القياسية السابقة، من خلال ارتفاعه الذي سوف يبلغ أكثر من 1000 م، ومن المنتظر أن يتكون من 200 طابق ومجهز ب 59 من المصاعد.
ونصيحتي في الأخير إلى نفسي أولا ولمن يعاني من دوار البحر والدوخة ثانيا أن يتجنب كليا السكن في مثل هذه الأبراج الشاهقة، وإلا أصبحت حياته محششة بدون حشيش ولا هيروين، لأنه كلما ارتفعت البناية شاهقة في عنان السماء متحدية الجاذبية الأرضية تواجه مشكلة التأرجح من شدة الرياح بالرغم من التقنيات المتسخدمة لتجنب ذلك، فابق قريبا من الأرض حتى إذا سقطت لم يعلم بك أحد ولم يسمع ضجيجك أحد، ثم نهضت وقومت هندامك ونفضت عنه ما علق به من غبار  ثم تابعت طريقك برأس مرفوع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق