شارل بودلير: أصل كل شيء سوء تفاهم

"أن تعرف يعني أن تتناقض، ثمة درجة من عدم التناقض لا يرقى إليها شيء سوى الكذب" شارل بودلير
شارل بودلير (1821-1867) شاعر وناقذ فرنسي من أبرز شعراء الحركة الرمزية في القرن التاسع عشر، كانت حياته كلها ضجر وحيرة وتمرد على الأوضاع وهو ما تجلى بصورة واضحة في جميع أشعاره وكتاباته، وقد عبر عن ذلك عندما كتب مرة:"لم يكن بوسعي أن أكتب بطريقة غير تلك التي كتبت بها، إذ أن ما كتبته كان انعكاسا صادقا لنفس مضطربة غائصة لقيعان الرذيلة".
لقد سعى بودلير من خلال أشعاره أن يحرر الإنسان من خلال البحث عن المتعة الحسية والجمال في جميع أشكاله وتجلياته، واعتبر الفيلسوف الوجودي جون بول سارتر بأن شارل بودلير كان ممتلئا بذاته لدرجة الفيضان، وأنه ينتمي كثيرا إلى شخصه فقط لكي يتسنى له التصرف كما يهوى والغوص في نفسه إلى درجة الضياع.
كان شارل بودلير عصبيا متقلب المزاج، محتقرا للأخلاق والقيم البورجوازية التي يصفها بالغباء، وقد كان هذا سببا في مشاجراته المستمرة مع أسرته وأصدقاءه وشركاءه، كان متجولا متسكعا في الطرقات وارتياد المقاهي ومتعاطيا للكحول والأفيون والحياة البذخية التي  كبلته بالديون طوال حياته، وقد اتـُّهِمَ كثيرا بالازدواجية والتذبذب والتناقض، ولعله كان يشعر بمتعة كبيرة وهو يرى صورته الغامضة تترقرق في عيون معاصريه، الذين لم يكونوا يدرون أهو متدين أم ملحد، أرستقراطي أم صعلوك، عاقل أم مجنون، ديمقراطي أم ملكي، هو الذي يرى في المرايا شخصا آخر غيره، لأنه هو الشيء والشيء الآخر في الوقت نفسه، إلا أنه بالرغم من ذلك كان ذا فكر حر رافض للانخراط في خدمة أي كان سلطة أم قطيعا، واحترز احترازا تاما مما يسمى الديمقراطية، وكره الديكتاتورية والطغيان، وقرف من الشعبوية والفجاجة، وعرى تعرية ما بعدها تعرية نفاق البشر حتى جعله يخجل من نفسه ويزدريها ويمقتها، ولعل في  الشذرات التالية التي انتقيتها من مؤلفاته مع بعض التصرف ما يثبث ذلك:
ماذا يعني الاستسلام إلى الشيطان؟ هل ثمة شيء مناف للعقل أكثر من الحديث عن التقدم، والحال أننا نرى بالممارسة اليومية أن الإنسان ما زال كما هو، أي كما كان دائما، كائنا متوحشا، وما هي مخاطر الغابة أو المرج بالمقارنة مع صدمات الحضارة وصراعاتها اليومية؟ هل ثمة فرق بين الرجل الذي يعانق مُغَفَّلَتَهُ في الشارع وذاك الذي يطعن فريسته في غابات مجهولة؟ أليس الرجل الأبدي نفسه، أي الحيوان المفترس بكل معنى الكلمة؟
ثمة نساء يشبهن شريط وسام جوقة الشرف، لا يريدهن أحد بعد أن يتسخن برجال آخرين، للسبب نفسه لن أرتدي سروال أجرب، المزعج في الحب أنه جريمة لا يمكن فيها الاستغناء عن شريك.
في الحب كما في كل الشؤون البشرية تقريبا، يكون الوفاق التام نتيجة سوء تفاهم، سوء التفاهم هذا هو المتعة، يصرخ الرجل "آه يا ملاكي"، فتهدل المرأة "ماما، ماما"، ويعتقد هذان الغبيان أنهما يفكران في تناغم، بينما الهاوية الـمُتَعَذَّرُ عبورها والتي تصنع اللاتواصل لم تُعْبَرْ بعد.
لولا سوء التفاهم لما قامت للعالم قائمة، سوء التفاهم العام هو الذي يجعل الجميع متفقين، إذ لو حدثت كارثة وتفاهمنا، لما استطعنا أبدا أن نتفق، رجل الفكر الذي لن يتفق مع أحد، يجب أن يروض نفسه على استساغة محادثة الأغبياء ومطالعة الكتب الرديئة، وسيخرج منها بـِمُتَعٍ مَرِيرَةٍ تعوضه عن تعبه بسخاء.
كلما عني الرجل بالفنون قلت قدرته على الانتعاظ، تتسع الهوة أكثر فأكثر بين العقل وبين البهيمة، وحدها البهيمة تحسن الانتعاظ جيدا، والنكاح هو أغنية الشعب المفضلة، نسيت إسم تلك الساقطة...آه...أوف..سأتذكره يوم القيامة.
يقال إن عمري ثلاثون سنة، ولكن إذا عشت ثلاث دقائق في كل دقيقة، ألا أكون في التسعين؟...العمل أليس هو الملح الذي يحفظ الأرواح-المومياوات؟
لا أملك قناعات كما يفهمها أهل عصري، لأني لا أملك طموحا، لا توجد داخلي قاعدة لأي قناعة، ثمة شيء من الجبن أو بالأحرى من الميوعة لدى الناس الشرفاء، قُطَّاعُ الطرق وحدهم مقتنعون، بماذا؟ بأن عليهم أن ينجحوا، لذلك ينجحون، ولماذا أنجح إذا كنت غير راغب في المحاولة أصلا؟
كم من إمبراطورية مجيدة أُسِّسَتْ على جريمة، وكم من دين فاضل قام على ادعاء، ومع ذلك لدي بعض القناعات، بمعنى أكثر سموا، من الصعب فهمه على أهل عصري، إحساس بالعزلة منذ الطفولة على الرغم من العائلة، وخاصة وسط الرفاق، إحساس بالعزلة كمصير أبدي، ومع ذلك رغبة شديدة في الحياة وفي المتعة.
موظف نكرة، وزير، مدير مسرح أو جريدة، كل هؤلاء قد يكونون أحيانا جديرين بالاحترام، لكنهم لن يكونوا في يوم رائعين، إنهم أشخاص بلا شخصية، كائنات بلا خصوصية، مولودون للوظيفة، أي للخدمة العامة.
التجارة: ذات ماهية شيطانية، التجارة هي الـمُعَارُ الـمُسْتَرْجَعُ، إنها الإِعَارَةُ مع الإِضْمَارِ،: أَرْجِعْ لي أكثر مما أعطيتك، إن فكر أي تاجر هو فكر فاسد تماما، التجارة طبيعية فهي إذن سافلة، أقل التجار سفالة هو ذاك الذي يقول: لنكن فضلاء كي نسكب مالا أكثر من أولئك الحمقى الأنذال، فبالنسبة للتاجر الأمانة ذاتها مضاربة من أجل الكسب، التاجر كائن شيطاني، لأنه شكل من أشكال الأنانية، وأكثرها دناءة وخسة.
الإنسان يحب الإنسان، إلى حد أنه لا يهجر المدينة إلا ليبحث عن الحشد مرة أخرى، أي ليُعيد صنع المدينة في الريف.
أغبياء البورجوازية الذين يتشدقون باستمرار بكلمات مثل 'لا أخلاقي'، 'لا أخلاقية'، 'الأخلاق في الفن' وغيرها من الحماقات، يذكرونني ب'لويز فيلديو' الـمومس التي أشتريها بخمس فرنكات، رافقتني يوما قي زيارة إلى متحف اللوفر، وكانت تلك أول مرة تزور فيها هذا المتحف، فاحمر وجهها وأخذت تغطيه بكفيها وتجذبني من كم السترة، متسائلة أمام اللوحات الخالدة، كيف أمكن عرض كل هذه العورات على العموم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق