الغابة اللي ما فيها سبوعة يلبسوا فيها القرودة الطرابش

يا زمن المقاسات الصغيرة من (الرجال)، أيها العصر الذي لم يعد يرتاح إلا للضحالة والتفاهة  والرداءة في كل شيء، ويفضل أن تكون مقاسات (رجاله) على نفس مستواه، عصر كأناسه وأناسه كما ترى، عصر لن تجد فيه الآن رجلا بحجم 'ونستون تشرتشل' في بريطانيا ، ولن تجد فيه رجلا بحجم 'فرانكلين روزفلت' في أمريكا، ولن تجد فيه رجلا بحجم 'شارل ديجول' في فرنسا ، ولن تجد فيه رجلا بحجم 'جوزيف ستالين' في روسيا، ولن تجد فيه رجلا بحجم فيصل بن عبدالعزيز أو الحسن الثاني في العالم العربي.
وفي الأدب أيضا فلن تجد اليوم أديبا بحجم برناردشو في إنجلترا، أو أديبا بحجم  فولتير في فرنسا، أو فيلسوفا بحجم 'فريدريك نيتشه' في ألمانيا، أو شاعرا بحجم أمير الشعراء أحمد شوقي في العالم العربي، وكأن الأرض عقرت وأتلفت بوصلتها، ولم تعد تنتج غير أعداد كثيرة متزايدة من النسخ الرديئة أو الشاذة للناس الجد عاديين وما دون ذلك، وعددا أقل من القليل من النوابغ والعباقرة.
فالمجتمعات البشرية بطبيعتها حقودة وحسودة وتكره النوابغ والعباقرة سواء في الفن أو الأدب أو العلوم  أو السياسة، وتفضل دائما الأشخاص العاديين أو الناقصين الذين يكونون  أقرب درجة من ذكاء العامة، لذلك عندما فقد العالم الممثل العبقري 'شارلي شابلن'، عوضه بالمئات من صغار ممثلي الكوميديا  الذين قد يضحكونك لحظة، ثم يتحول ضحكك بعد ذلك إلى ندم، وتنسىاهم إلى الأبد من دون أن تشعر أنك نسيتهم، وعلى النقيض من ذلك هنالك أفلام لشارلي شابلن بالأبيض والأسود وبدون حوار مر عليها 90 سنة ولا زالت تضحكنا حتى نستلقي على قفانا إلى يومنا هذا، ذلكم هو الفرق بين الفن العبقري والفن الرديء، وذلكم هو الفرق بين القزم والعملاق.
إن الأقزام بطبيعة تكوينهم الدوني وعقدهم النفسية يكرهون دائما العمالقة، لأن العمالقة يتطلعون إليهم من فوق ويدركون جيدا خستهم وسفاهتم وانحطاطهم وسفالتهم ونذالتهم ودناءتهم وغدرهم، لذا كان الأقزام على مر عصور التاريخ يكرهون العمالقة ويتربصون بهم الدوائر حتى تحين الفرص المواتية  كي ينقضوا عليهم انقضاض الذئاب على فريستهم في أول منعطف، وكما يقول المثل الشعبي المغربي  'الغابة اللي ما فيها سبوعة يلبسوا فيها القرودة الطرابش'. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق